يواجه موضوع تأليف حكومة فلسطينية موحدة تعقيدات سياسية عدة، فمن جهة لم يتمكن الفلسطينيون من الاتفاق على انهاء الانقسام ويصر كل فريق (الرئيس محمود عباس وما ومن يمثل وحركة المقاومة الاسلامية "حماس") على الاحتفاظ بأوراق القوة التي لديه ويريد تعزيزها بمكاسب جديدة بدل التنازل عن اوراق في مقابل تعزيز مكانة الفلسطينيين ومطلبهم في انهاء الاحتلال وبعد ذلك التقاتل على السلطة ومكاسبها ومغانمها.
مطلب انهاء الاحتلال صار له تأييد دولي، وصار في الامكان، وإن نظرياً، تحويل ضغوط دولية من الفلسطينيين الى الاسرائيليين بعد تولي ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الحكم، واعلانه المتكرر وجوب السعي لانهاء هذا النزاع على اساس حل الدولتين، وهو بمثابة قطع الطريق على الحكومة الاسرائيلية برئاسة رئيس تكتل "ليكود" اليميني بنيامين نتنياهو للذهاب بعيداً في ادارة الظهر لحل الدولتين. مع ان الفلسطينيين لا يخشون اعلانات نتنياهو، بل ثمة تقديرات فلسطينية ان يذهب اكثر الى تطبيق هذا الحل على قاعدة ان الائتلاف اليميني له القدرة على عمل سلام والائتلاف اليساري على عمل حرب، وعلى معلومات عن استعدادات جدية في الجانب الاسرائيلي لذلك، بدليل ان حزب "شاس" اليميني المتدين طرح اخيراً خطة سياسية تنطوي على استعداد كبير للانسحاب من الاراضي المحتلة في مقابل مطالب اسرائيلية تتعلق بالامن اساسا. علما ان الفلسطينيين لم يعلقوا على هذه الخطة في انتظار معرفة الخطة الرسمية لنتنياهو والموقف الاميركي منها خلال عرضها الشهر الجاري على ادارة اوباما.
الحكومة الفلسطينية التي يرئسها سلام فياض قدمت استقالتها قبل شهرين وجمدت عملية اتخاذ قرارات سياسية وادارية، وهي تضغط على الرئيس عباس لتأليف حكومة جديدة تأخذ في الاعتبار الواقع الجديد بعد الانقسام، وسيطرة حركة "حماس" على السلطة في غزة. بينما تقف حركة "فتح" خارج حكومة فياض ويضغط بعض اطرافها على فياض وحكومته من اجل التعجيل في حلها، وتأليف حكومة جديدة تُدخل اطرافاً من "فتح" في مكوناتها. وتعلل هذه الاطراف وجهة نظرها بأن مرحلة سيطرة "حماس" على غزة انتهت، وسقطت المبررات لان تكون "فتح "خارج الحكومة، ومنها ان الصراع بين "فتح" و"حماس" هو صراع سياسي عميق يتعلق بالطريق لإنهاء الاحتلال والاساليب الاكثر نجاعة للوصول الى هذا الهدف وليس مجرد صراع على مكاسب ومغانم السلطة. وقد انتهت هذه الاوضاع وآن الاوان لـ"فتح" ان تتسلم السلطة مع شركائها من الفصائل والمستقلين وان يكون تمثيلها في الحكومة مناسباً لا ان يبقى محصورا في انها حكومة الرئيس عباس في القانون. وكل ذلك بسبب اصرار "حماس" على شركة سياسية مع الفصائل الفلسطينية على برنامج الحركة لا على برنامج وطني عام.
"حماس" ايضاً لم تنتظر تقدم حوار القاهرة حتى تجري تعديلات على حكومتها المقالة في غزة. اذ ادخلت تعديلات جوهرية على الحكومة، وعينت وزراء جدداً، وعززت ذلك بتعيينها عشية بدء الجولة الاخيرة من الحوار في القاهرة وزيراً جديداً للداخلية هو فتحي حماد خلفا لسعيد صيام الذي اغتيل في غارة جوية اسرائيلية خلال الحرب الاخيرة على غزة.
الرئيس عباس لا يريد ان يترك حكومة فياض بلا صلاحيات تنازلت عنها طوعا منذ استقالتها عشية بدء جلسات حوار القاهرة. ولا يريد ان يعطي انطباعات انه لا يعول على نجاحه لان ذلك يمس من دون قصد بالرعاية المصرية للحوار وامكان نجاحه، فضلا عن امكان استخدام تأليف حكومة جديدة لا تكون "حماس" من مكوناتها، ضد شرعية الرئيس عباس. مع ان حركة "حماس" لم تقصر في ذلك ومواقعها الالكترونية تتعامل مع الرئيس الفلسطيني على انه غير شرعي قبل تاريخ انتهاء اربع سنوات من ولايتة في التاسع من كانون الثاني الماضي.
لهذه الاسباب بدأ عباس مشاورات لتأليف حكومة جديدة. وقبل ان يكلف فياض او غيره تأليف حكومة جديدة توجه الى عمان والقاهرة ليضع اليوم الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الاردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين وكذلك بعض القادة العرب في صورة المشاورات والنية لتأليف حكومة جديدة، والاسباب التي تملي عليه تأليفها من دون ان يكون لهذا الامر علاقة بالحوار وامكان نجاحه او فشله. وهو يقول انه "يستطيع اقالة الحكومة حال التوصل الى اتفاق وطني لانهاء الانقسام".
الاسماء التي تداولتها الصحافة خلال الايام القليلة الماضية كمرشحين للتوزير لا اساس لها من الصحة. والمعلومات تفيد بأن مرحلة تأليف حكومة جديدة لم تتوصل بعد الى مرحلة اختيار وزراء. واذا كان هناك من تداول لاسماء فهو يتناول رئيس الوزراء فحسب. والفكرة ان يبقى فياض او يستبدل بشخصية اخرى وثمة ميل الى التجديد له وتعزيز حكومته بفريق من الفصائل الفلسطينية. وهو المنحى السياسي الذي يعمل الرئيس عباس على اساسه، ولديه امل (حتى لو قيل انه ضئيل) بانهاء الانقسام وانضمام "حماس" الى هذا المنحى العملي كي يصير في الامكان مواجهة حكومة نتنياهو وقطع الطريق امام تهربها من امكان معاودة اطلاق مفاوضات جدية لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية.
رام الله – من محمد هواش




















