المستقبل –
في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، لكل أمة مشاكلها. لكن الفرنسيين وحدهم من يشهدون موجة من الهجمات على مدراء الشركات والمصانع. وعن هذه الظاهرة، نشرت مجلة "نيوزويك" ( 5 أيار 2009) تقريراً منه نقتطف:
ربما كان هناك عدد كبير من الأسباب التي تجعلك تغضب من مديرك في هذه الأيام. لكن القليل من الناس من يعبر عن هذا الاحباط بالطريقة التي يعبر بها الفرنسيون. فخلال الأسابيع الكثيرة الماضية، قام عمال مصانع يواجهون تخفيضات في الرواتب وتسريحاً من العمل في بعض أكبر شركات العالم بقطع الطريق امام مديرين تنفيذيين ومسؤولي موارد بشرية في شركاتهم واحتجازهم لمدد وصلت الى 36 ساعة في احدى الحالات. وفي مصنع سوني في جنوب غرب فرنسا، ذكرت تقارير ان الموظفين الغاضبين سدوا بوابة المصنع بأغصان وجذوع شجر واحتجزوا رؤساءهم في العمل طوال الليل حتى انتقلوا الى مخفر للشرطة للمزيد من المفاوضات. وفي حادثة اخرى مما يطلق عليه خطف المديرين، قام نحو 40 موظفاً من مصنع كاتربيلار في غرينوبل باحتجاز اربعة مديرين تنفيذيين لمدة 24 ساعة. وزعم انهم احتجزوا هواتفهم النقالة ووجهوا تهديدات لأسرهم.
ويبدو أن هذه الأساليب فعالة. صحيح ان عقوبة احتجاز مديرك تصل الى السجن خمسة أعوام، لكن السلطات لم تقدم اي قضية للمحكمة بعد، ومعظم الشركات لم ترفع اي اتهامات بحق اي من مرتكبي عمليات الاختطاف. بل ان الشركات المستهدفة في الواقع قدمت تنازلات جديدة مثل التوسع في تعويضات الفصل من الخدمة. وكذلك فان المشاعر الشعبية مؤدية لمختطفي المديرين، حيث أظهر أحد استطلاعات الرأي العام أن 55 بالمائة من المستطلعين قالوا إن "السلوك الاجتماعي الراديكالي، وحتى العنيف مثل اغلاق المصانع أو الطرق أو حتى احتجاز المديرين والمسؤولين التنفيذيين" هو "امر مبرر". وقال ثلثا المستجيبين انه لا ينبغي إيقاع العقاب على من مارس مثل هذه الأساليب لأنها "غالباً ما تكون الوسيلة الوحيدة امام العاملين لإيصال صوتهم".
وهذه الظاهرة الفريدة المقتصرة على فرنسا هي في جزء كبير منها محصلة البنية غير المألوفة للاتحادات العمالية في البلاد. فقبل عقود منحت الحكومة الفرنسية مجموعة من النقابات العمالية سلطات واسعة، مثل صلاحية ادارة برامج التقاعد وكذلك حق التفاوض باسم العمال الفرنسيين في القطاعين العام والخاص.
ومما يسعد العمال الفرنسيين أن ينضموا الى مثل هذه الاحتجاجات. وعلى خلاف القادة في الكثير من الدول، فان السياسيين الفرنسيين يستمعون الى مطالبهم. يقول جون مونكس، الأمين العام لاتحاد النقابات العمالية الأوروبية: "في مكان ما في عقولهم، هناك صورة المقصلة وقوة الشارع. في المقابل هناك الشعب الفرنسي نفسه، والذين لسان حالهم يقول: "نحن لا نقوم بمثل هذه الأمور ونحن كما تعلم، قد نذهب مجتمعين بحاصداتنا الى شارع بيريفيرك، على مدى يومين ونضع كراسي البحر الخاصة بنا هناك في الصيف، وننتظر ماذا سيفعله شخص ما".
كانت عمليات اختطاف المديرين شائعة في السبعينات من القرن الماضي، عندما انتهت ثلاثة عقود من طفرة ما بعد الحرب على يد الصدمات النفطية والكساد الاقتصادي. انحسرت هذه الاستراتيجية مع مرور الزمن لكن الرغبة في الاحتجاج أسفرت عن نوع من الاضطرابات اللافتة التي كانت تشل البلاد لأسابيع احياناً. واخيراً، قدم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قوانين جديدة من شأنها ضمان الحد الأدنى من الخدمة في قطاعات مثل النقل العام ورعاية الأطفال، وهي خطوة ساعدت على تحويل الاضرابات الى حالة ازعاجية بدلاً من أن تكون كوارث. ويفتخر قائلاً: "عندما يحدث اضراب الآن، لا أحد يلاجظ".
وقد رفعت هذه العبارة، رغم انها صحيحة بشكل كبير، من سقف محاولات النقابات لكسب الاهتمام. فمع تنامي آثار الأزمة الاقتصادية العام الماضي، لم يكن مفاجئاً ان تبرز ظاهرة اختطاف المديرين من جديد. وهناك المزيد من الاصلاحات المقبلة. ففي اغسطس الماضي، أجاز البرلمان قانوناً يربط بين صلاحية النقابات في المفاوضات، ونتائج الانتخابات على مستوى الشركة وهو تشريع من شأنه أن يبرز المعتدلين وان يكون نقطة تحول تاريخية عند تفعيله بعد خمس سنوات منذ الآن. وحتى ذلك الحين، سيظل الثوريون هم الجنود الذين يعتلون الحصون، وربما يحتاج المديرون الى ان يحملوا في حقائبهم فرش أسنان.




















