بعد أن فشلت أربع جولات من المفاوضات المباشرة بين المغرب و" البوليزاريو " حول الصحراء الغربية برعاية الأمم المتحدة، يبدو أنّ ما يستطيعه اجتماع غير رسمي للطرفين قد يشكل قوة دفع تزيد عن فعالية المفاوضات المباشرة، لذلك وافق مجلس الأمن يوم 30 أبريل/نيسان الماضي في القرار 1871 على تغيير المنهج، حيث دعا إلى مواصلة المفاوضات " بدون شروط مسبقة "، وأكد على " أهمية تحقيق تقدم في البعد الإنساني للنزاع كوسيلة لتعزيز الشفافية و الثقة المتبادلة من خلال الحوار البنّاء وإجراءات بناء الثقة "، وقد تكون أحد موضوعات البحث توسيع إجراءات بناء الثقة، بحيث يكون على الأطراف المعنية أن تختار بين المضي قدما أو قلب الطاولة.
لقد أوصى المبعوث الأممي كريستوفر روس، في تقريره إلى مجلس الأمن في 13 أبريل/نيسان أن يستأنف الطرفان لقاءاتهما " عبر عقد اجتماع تحضيري مصغر غير رسمي، واحد أو أكثر، لتسهيل عقد الجولة المقبلة من المفاوضات ". كما أوصى بأن يكرر مجلس الأمن دعوته للأطراف لـ " التفاوض بنية حسنة ومن دون شروط مسبقة وأن يظهروا النية السياسية للدخول في مناقشات ذات مضمون وأن يضمنا نجاح المفاوضات ".
ويُعتقد أنّ اتفاق الأطراف على مواصلة جولات المفاوضات من خلال اجتماعات مصغرة غير رسمية يهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول جوهر الإشكاليات المطروحة، أقله تقريب وجهات النظر في التعاطي مع قضايا المفاوضات. ويبدو أنّ كريستوفر روس ينوي تعزيز ما يسمى إجراءات الثقة بين المغرب و" البوليزاريو " ومعالجة الملفات الحقوقية والإنسانية وأوجه التعاون في باقي الملفات للوصول في آخر المطاف إلى الحل النهائي.
ومن المؤكد أنه لا يمكن للأمم المتحدة وللأطراف الدولية المؤثرة في هذا النزاع أن تظل مراقبة لعملية تفاوض عقيمة إلى ما لا نهاية، إذ سيكون عليها التدخل للتأثير في مجريات الأمور وتقديم مقترحات مبتكرة. ولعل التطور الذي قد يدفع إلى دور أوروبي فاعل هو " الديبلوماسية الذكية " لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، التي تقتضي مشاركة الدول ذات التأثير الإقليمي، بمعنى أنّ مساعدة المغرب العربي يتطلب مشاركة أوروبية، خاصة فرنسية وإسبانية، بحكم نفوذهما التاريخي ومصالحهما الاقتصادية في المنطقة.
وفي الواقع، لا ينفصل الدور الأوروبي في تكريس حل سياسي لنزاع الصحراء الغربية عن الدعوات الأوروبية والأمريكية إلى صون الأمن والسلم والاستقرار في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وما فعله المبعوث الأممي كريستوفر روس، في محادثاته مع الفرنسيين والإسبان، أنه عمل على إحياء خطة شراكة أوروبية – أمريكية لتسوية نزاع الصحراء الغربية.
ولكن من المؤكد أنّ المسألة الصحراوية ستظل تراوح مكانها طالما أنّ العلاقات الجزائرية – المغربية مازالت على حالها من دون حدوث أي تقدم أو اختراق نوعي فيها، ولعل اعتقاد بعض الديبلوماسيين بأنّ العلاقات بين الطرفين، أكان ذلك على صعيد التعاطي المباشر حول القضايا المشتركة، أو في سياق تطورات ملف الصحراء، ستكون ضمن القضايا البارزة في الولاية الجديدة للرئيس بوتفليقة، وأنّ معطيات جديدة بصدد التبلور، قد تساعد في عودة الدفء إلى العلاقة المتأزمة بين البلدين الشقيقين. وقد تساعد دعوة المغرب لفتح الحدود المغلقة وتطبيع العلاقات الثنائية، وعدم البقاء حبيسي قضية الصحراء، والسير قدما نحو الاندماج المغاربي، واغتنام الفرصة التي تتيحها مبادرة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، خاصة أنّ المبعوث الأممي السابق بيتر فان فالسيوم كان في آخر تقرير قدمه لمجلس الأمن الدولي في أبريل/نيسان 2008 قد ذكر أنّ إقامة دولة مستقلة بالصحراء الغربية " مسألة غير واقعية "، قد يساعد كل ذلك في الاتفاق على حل يرضي كل الأطراف.
وهكذا، قد لا يكون الحل بعيدا، حتى لو بدت المواقف متباينة، باعتبار أنّ الطرح المغربي، المبني على الواقعية والمرونة، يمكن أن يجنّب مضاعفات وخيمة. وترجع مصداقية هذا الطرح إلى أنه يتحرك من أجل تأمين مصالحه، ولكنه لا يهدف إلى إقصاء الغير، ولا إلى الاستفراد بالمزايا. ويستمد مشروعيته من المنطق الذي أصبح يضبط العلاقات الدولية، وهو التعاطي المجدي مع تداخل المصالح. ومن أجل إنجاح مساعي الحل التوافقي ينبغي إطلاق نقاش معمم ومعمق في موضوع مشكل الصحراء الغربية من مختلف أبعاده، وذلك للمساهمة في نقد وتجاوز المرجعية السياسية والتاريخية التي ساهمت في تشكله.
إنّ الأوضاع المغاربية والعربية والدولية تفرض علينا اليوم أن نتعامل معها بأدوات مختلفة، تلغي الأمزجة الشخصية والحسابات الضيقة والمشاحنات الظرفية، فلم يعد هناك مجال للسجالات السياسية التي تضمر أكثر مما تعلن، فقد تطور العالم من حولنا، والنفق الحالي المظلم يمكن اجتيازه بحوار أكثر جدية مع الذات ومع الآخر في موضوع الأزمة وفي راهنها، ولا مفر من التوافق الذي يستند إلى معطيات الواقع، ولا يغفل مبدأ مراعاة المصالح المشتركة. خاصة وأنّ مقاربة الموفد الدولي الجديد كريستوفر روس حول " إجراءات بناء الثقة " لا تثير أية حساسيات، بعد أن رحبت الأطراف كافة بتعيينه في مهمته الصعبة التي يريد أن يتغلب عليها بالتفاؤل.
تونس في 3/5/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 7/5/2009.




















