بعد أربعة أشهر من تسلّم الرئيس الأميركي الجديد مهماته، تتوضّح الخطوط العريضة لديبلوماسيته في الشرق الأوسط، وهذه الديبلوماسية تجديدية للغاية إلى درجة أنه يمكننا بلا شك الحديث عن "عقيدة أوباما" في المنطقة.
التجديد الأهم الذي يحدّد كل أشكال التجديد الأخرى هو تبدّل الموقع الجغرافي للأولويات. فقدَ العراق إنما أيضاً سوريا وإسرائيل وفلسطين محوريتها لمصلحة أفغانستان، ولا يشكّل تحوّل مركز ثقل التحرك الأميركي نحو الشرق تخلياً عن العراق إنما هو تمهيد لحل مشكلته. لأنه كلما طال الوجود العسكري الأميركي في العراق، شعر العراقيون بحافز أقل لتسوية خلافاتهم السياسية بأنفسهم. ويضاف إلى هذا الإقرار بعدم جدوى الحل العسكري وتراجعه لمصلحة تسلّم العراقيين أنفسهم زمام مستقبلهم السياسي، اعتراف أوباما نفسه بأن العراق "ليس مركز المعركة ضد الإرهاب ولم يكن يوماً كذلك".
اتُّهِم العراق بالتواطؤ في الإعداد لهجمات 11 أيلول في حين أنه لم يكن له أي دور فيها، وبامتلاك أسلحة دمار شامل لم تكن في حوزته. لا شك في أن نظامه السياسي كان استبدادياً، لكن أليست هذه حال معظم الأنظمة العربية من الخليج إلى المحيط؟ حتى إنه أُغرِق في فوضى، ليس تشرّد أربعة ملايين نسمة سوى أحد تجلياتها الكثيرة.
سوف تعود الحرب التي شُنَّت في العراق ضد عدو لم يكن فعلاً بعدو، إلى ساحتها الحقيقية، أفغانستان. ولن تكون عسكرية فقط. لأن أفغانستان هي أكثر بكثير من مجرد المخبأ الجبلي لبن لادن وعناصره الشُعث. إنها قمة "قوس الأزمات" الذي تحدّث عنه زبيغنيو بريجينسكي، مفترق الطرق الاستراتيجي حيث تتقاطع وتتواجه أطماع كل من باكستان والهند وروسيا والصين وإيران. وفي هذه المواجهة، الولايات المتحدة هي أسيرة معضلة: محكوم على حليفتها المفضّلة، باكستان، مهما بلغ حجم ولاء حكومتها لها، أن تحافظ على تضامنها مع حركة "طالبان" السنية التي تتمتّع بشعبية كبيرة جداً داخل الحدود الباكستانية. فكما في كشمير حيث تتصادم الهند وباكستان، من شأن اندحار حركة "طالبان" السنية في أفغانستان أن يُعتبَر هزيمة باكستانية ونصراً هندياً موضوعياً لا يستطيع أي نظام باكستاني تحمّله.
غير أن حركة "طالبان" هي العدو الذي تطارده الولايات المتحدة وحلفاؤها، وعلى رأسهم فرنسا، في جبال أفغانستان. ما السبيل للخروج من هذا الوضع الذي يتداخل فيه الأعداء والأصدقاء؟ بالتأكيد ليس من خلال الحرب، وحكماً من طريق الديبلوماسية. وفي هذا السياق، تكتسب المقاربة الأميركية الجديدة معناها.
يبدو أن هذه المقاربة سوف تتم على مرحلتين. تتمثل المرحلة الأولى في تعزيز ميداني لموقف الولايات المتحدة إزاء شركائها في المفاوضات التي تلوح في الأفق: سوف تترسّخ الآلية العسكرية الأميركية إذاً من طريق نقل جنود من العراق إلى أفغانستان. غير أن الإعداد للمرحلة الثانية قد بدأ، وفي هذا السياق تندرج الحملة التي يشنّها في الولايات المتحدة رجلان لا ينتميان إلى إدارة أوباما إنما يمارسان بشخصيتيهما تأثيراً أكيداً، وهما هنري كيسينجر وزبيغنيو بريجينسكي. ينادي الاثنان بمشاورات ديبلوماسية تضم كل الأفرقاء في النزاع الأفغاني.
عدد هؤلاء الأفرقاء وقوتهم هما خير دليل على ضخامة الرهانات التي تطرحها هذه المشاورات التي لا يتعلق بها مصير أفغانستان وحسب إنما أيضاً مصير العالم في القرن الحادي والعشرين. لكن لدى الولايات المتحدة في هذه المشاورات حليف موضوعي غير متوقّع؛ إنها إيران التي تلتقي مصالحها في أفغانستان مع المصالح الأميركية. تحتل غالبية الباشتون السنية التي هي الخزان الأساسي للتجنيد في "طالبان"، أراضي تقع على الحدود بين أفغانستان وباكستان حيث تُعتبَر امتداداً لأفغانستان. وفي مواجهتها، تدعم إيران الشيعية المجموعات القبلية المتنافسة، ولا سيما الطاجيك، وتقف من هذا المنطلق في وجه حركة "طالبان"، عدو الولايات المتحدة.
وكان هذا الالتقاء بين المصالح الأميركية والإيرانية قد تجلّى خلال المرحلة الأولى من الحرب في أفغانستان عام 2001. لكن بدلاً من الإفادة منه للانفتاح على إيران، عمدت إدارة بوش التي استعجلت فرض الديموقراطية من طريق الحرب الشاملة، إلى تصنيف إيران في محور الشر. فردّ الملالي بقلب السحر على الساحر، وصعّدوا الحملة على الولايات المتحدة التي تبلغ ذروتها الآن مع السباق الإيراني للتسلّح النووي. من المنطقي التفكير في أن الإدارة الأميركية الجديدة التي تعلن باستمرار رغبتها في "الانخراط" مع إيران، سوف تفيد بواقعية من الفرصة التي تتيحها لها في هذا الإطار سياستها الأفغانية الجديدة.
يجب أن ننظر من الآن فصاعداً إلى تطوّر الديبلوماسية الأميركية انطلاقاً من منظار الانفتاح على إيران. في الواقع، أصبح التأثير الإقليمي لإيران كبيراً جداً إلى درجة أن هذا الانفتاح سوف يحدّد علاقات الولايات المتحدة مع المنطقة في مجملها. ومع مراعاة الفوارق والتحفظات اللازمة في هذا السياق، لا بد من إجراء مقارنة مع تبدّل التحالفات عقب زيارة نيكسون وكيسينجر إلى بيجينغ عام 1972. تستطيع واشنطن، من دون التضحية بعلاقاتها المميّزة مع حلفائها القدامى مثل السعودية ومصر، أن تعمد في الوقت نفسه إلى ممارسة التهدئة في علاقاتها مع حلفاء طهران الشرق الأوسطيين.
ومن هذا المنطلق، نفهم حذر المسؤولين الفرنسيين الذين يبدو أنهم حرصوا على عدم إظهار مبادراتهم حيال سوريا بأنها محاولة لجعلها تتفلّت من تحالفها مع إيران وتلتحق بسياسة موالية للغرب مستقلة عن طهران. فهم يعلمون أنه أبعد من المساعدة الإيرانية التي باتت ضرورية للاقتصاد السوري، أصبحت الروابط بين البلدين أزلية.
ويعرف هؤلاء المسؤولون أيضاً أنه إذا تخلت سوريا عن تحالفها مع إيران، فمن شأن ذلك أن يؤدّي إلى خسارتها التأثير الذي يمنحها إياه هذا التحالف في لبنان بواسطة "حزب الله" الذي يوازي ولاؤه لإيران ولاءه لسوريا، هذا إن لم يكن يتفوّق عليه، وإلى تضحيتها أيضاً بالورقة الكبرى التي تملكها في النزاع الفلسطيني من خلال حركة "حماس". ويعرفون باختصار أن سوريا أصبحت بالنسبة إلى إيران ما هو عليه لبنان بدوره بالنسبة إلى سوريا، وأنه يجب من الآن فصاعداً مناقشة الشؤون السورية واللبنانية مع طهران مباشرة.
لا شك في أن الطريق الذي شقّه أوباما سوف يكون طويلاً ومزروعاً بالحفر. سوف تستمر مبالغات أحمدي نجاد الكلامية لبعض الوقت: فهي عنصر من عناصر اللعبة الديبلوماسية التي تنطلق. كما أنها تعبير عن تجاذبات داخلية تنذر بتغييرات سوف تؤدّي المبادرات الأميركية إلى تسريعها. عبر التحاور مع إيران، تنزع الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، وأخيراً، الطابع الدراماتيكي عن المسألة النووية الإيرانية وتسهّل تسويتها من طريق التفاوض. وأبعد من الشرق الأوسط، يفتتحون حقبة ديبلوماسية جديدة مع آسيا بكاملها، والعالم بأسره.
(وزير العدل اللبناني بين 2005 و2008.ترجمت النص نسرين ناضر عن الفرنسية)




















