حين بدا ان العلاقات بين إيران والولايات المتحدة تتجه نحو التحسن بسبب الانفتاح الذي أظهره الرئيس أوباما على طهران، ظهرت عقبة جديدة في الطريق، تمثلت هذه المرة في الحكم على روكسانا صابري الصحافية الأميركية ذات الاصل الايراني، بالسجن بتهمة التجسس للويالات المتحدة! فما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانعطاف للحوادث والأحداث بالطريقة السلبية غير المتوقعة؟ لذلك كله علاقة مؤكدة بالصراع السياسي الدائر في ايران الآن. لكن بخلاف الزمن السابق فان الصراع يدور بين فئات متنافسة ضمن المعسكر المحافظ، وليس بين الاصلاحيين والمحافظين. والذين يعرفون الأوضاع بايران ويراقبونها منذ فترة، يعلمون ان المعسكر الحاكم منقسم على نفسه انقساماً شديداً. فإدارة الرئيس محمود احمدي نجاد ما استطاعت مواجهة جبال المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، وقد وجدت نفسها في صراع مع أطراف داخلية وخارجية.
ففي الداخل يجد الاصلاحيون انفسهم في احسن المواقف منذ سنوات، من أجل ازالة المحافظين من السلطة والحلول محلهم. وفي الخارج، فان الرئيس محمود احمدي نجاد وبسبب خطاباته الحماسية عزل ايران عن العالم. وقد حاول المحافظون طويلاً ان يخفوا خلافاتهم لكنها ظهرت مؤخراً بدون رتوش ولا حجاب.
سيذهب الايرانيون في 12 حزيران القادم لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وقد دفع ذلك لصراع عنيف داخل المعسكر المحافظ بين العقائديين والبراغماتيين، ما حدث مثله من قبل التهاباً واشتعالاً. اما الاصلاحيون فعندهم مرشحان: السيد حسين موسوي وكان رئيس وزراء في ثمانينات القرن الماضي، وله شعبية بارزة، والسيد مهدي كتروبي وكان رئيساً للبرلمان كما انه قاد معركة محترمة (ضد نجاد) عام 2005. في حين ان المحافظين ما اعلنوا بعد مرشحا لهم وببساطة لانهم لا يدرون من يدعمون فالمحافظون المعتدلون لا يريدون الوقوف مع الرئيس نجاد لفترة ثانية. ويميلون الى ترشيح محافظ اكثر اعتدالاً منه. وان لم يحدث ذلك فإنهم يعتقدون ان احد الاصلاحيين سوف يجري انتخابه وبأكثرية كبيرة ثم انهم يريدون ان ينتهجوا سياسة انفتاح مع ادارة اوباما الجديدة. اما المحافظون المتشددون فانهم يفضلون الاستمرار في دعم نجاد وسياساته ورغم ان الرئيس نجاد اظهر ميلاً ايضاَ للتفاوض مع الولايات المتحدة فان معظم انصاره يظهرون شكوكاً كبيرة في اوباما ويعارضون التقارب مع واشنطن ويتكون المعسكر الداعم للرئيس نجاد من عناصر الأمن والمخابرات وقسم من الحرس الثوري وقسم من رجال الدين المتشددين واتباعهم. ويقود هؤلاء آية الله محمد مصباح يزدي وتلامذته الذين لعبوا ادواراً مؤثرة في ادارة الرئيس نجاد وفي القضاء. وهذا الجانب المتشدد في المعسكر المحافظ هو الذي اقدم على الحكم على الصحافية صابري بالسجن بتهمة التجسس.
ان المحافظين المتشددين يتخوفون من اي تقارب مع الولايات المتحدة لسببين الاول ان التقارب يعني صعود الاصلاحيين وحظوظهم وبخاصة عندما تتراجع اخطار الحرب الاميركية ضد طهران وعندها لا يمكن اتهام الاصلاحيين بانهم يقدمون العلاقات مع الولايات المتحدة على المصالح الوطنية الايرانية. وفي الوقت نفسه فان المحافظين ـ بسبب احساسهم بكراهية الناس لهم يخشون من ثورة مخملية او ليلكية ولذلك فقد انصبت جهودهم على منع اي اتصال بين الايرانيين والاميركيين وهو الذي سيحدث في حالة التقارب والانفتاح. وعلينا ان نرى حبس السيدة صابري في هذا السياق. والسبب الثاني يتمثل في ان التقارب بين الولايات المتحدة وايران سوف يؤدي الى رفع بعض العقوبات الاميركية والاوروبية عن ايران. وسيؤثر في سيطرة المحافظين على الاقتصاد في اقنيته الشرعية وغير الشرعية. فقبل سنوات قليلة ذكر السيد كروبي ان المحافظين يسيطرون على 63 ميناء للاستيراد والتصدير غير الشرعي ويستخدم سماسرة المحافظين تلك الموانئ لاستيراد سلع رخيصة الثمن من الصين وبلدان شرق أسيا. ويضر ذلك بالانتاج الوطني لكنه يجعل منهم اثرياء بمقادير اسطورية. واذا انفتحت ايران وسقط عنها الحظر وتطورت عمليات الديموقراطية وحكم القانون فان هؤلاء السماسرة سيفقدون اكثر قوتهم. ولا شك انه اذا اضيفت لذلك حريات اعلامية فان هذا سوف يساعد في كشف درجة الفساد في النظام المحافظ هناك؛ واذا كان ذلك كله ممكناً فان الممكن ايضاَ ان يضيع مركز القوة السياسية الذي يتمتع به المحافظون. ولذا فان المحافظين جاهدون الآن لاصطناع ازمة جديدة مع الولايات المتحدة لمنع اي تقارب ممكن من جهة، ولصرف الانظار عن الصراعات الداخلية الناشئة في صفوفهم.
وهكذا فان حالة السيدة صابري تعبير عن تعاظم الصراع بين المحافظين المتشددين والآخرين البراغماتيين لقد وقعت صابري ضحية للتجاذب. والاتهامات المرفوعة ضدها تبدو مزيفة، وقد ذكرت صحيفة "روز" الشعبية الايرانية ان صابري اخبرت انه في حال اعترافها وذكر اسماء من تعاون معها فان سراحها سوف يطلق وسوف يسمح لها بالمغادرة للولايات المتحدة، اما الاسماء المطلوب اعلانها واتهامها فهي طبعاً من ضمن خصوم المحافظين.
ان وضع السيدة صابري الصعب يشير الى مقادير العوائق امام تحسين العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، وهي علاقات ان تحسنت فسوف تؤدي الى ارتياح اقتصادي والى تحسن في مسائل حرية الصحافة وحقوق الانسان وهي كلها مسائل ساءت وتردت ايام الرئيس محمود احمدي نجاد ويضاف لذلك ان التحسن في العلائق بين الدولتين سوف يرفع من حظوظ الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.
("هيرالد تريبيون" 5/5/2009)




















