لا تفصلنا عن الانتخابات النيابية، التي يستمر وصفها بالمصيرية، سوى شهر واحد، فهل يشعر اللبنانيون بأنهم وزعاماتهم والمرشحين يملأون هذا الشهر بحوار حول المصير؟ هل ثمة أية صورة، من يمين أو يسار، للمصير المرتقب نشعر أو نفهم من الكلام الانتخابي انها هي التي ستكون صورة مصير لبنان بدل الصورة الحاضرة او بدل صورة أخرى تواجهها او تُطرح قبالتها؟
وعلى مستوى أدنى، هل ثمة في التداول الانتخابي أي جردة للقضايا "المصيرية" أو "المعيشية" التي نتوقع من هذا الفريق أو ذاك إذا انتصر أن يتصدّى لمعالجتها، وما هي المقترحات؟
أم أن المصير اللبناني سيتغيّر مثلاً بمجرد أن يترشح كارلوس إده في كسروان بدل المعقل الإداوي التقليدي في جبيل؟ وهل يتغير "المصير" اللبناني لمجرد تبدل الهوية الانتخابية في هذه الدائرة أو تلك؟
وهل يختبئ في الأفق الانتخابي أي مشروع "جبهة" كالتي انجبت عام 1951، الجبهة المعارضة التي جمعت في أضخم تكتل حزبي مؤسسات سياسية ذات خلافات عقائدية جرى تجاوزها واستلهام ما يجمع بينها لطرح برنامج إصلاحي متكامل على الناخبين، بل "مشروع حكم" تمكنت الجبهة المعارضة "الاشتراكية الوطنية" من الدعوة إلى إضراب عام إلى أن يسقط الطاغية، وهكذا كان على رغم ان الجبهة لم تكن تشكِّل أكثرية برلمانية… ومع ذلك، وعلى رغم أن الأكثرية البرلمانية المؤيدة للحكم الذي كان قائماً تصدّت للأقلية المعارضة عندما تقدّمت بعريضة تطلب فيها من المجلس النظر في "استقالة" دعت رئيس الجمهورية الى تقديمها لأسباب عدّدتها تمتد من الفساد الإداري الى السرقة والرشوة الخ… مما كان يطرح في الصحافة والاجتماعات الشعبية، بلا خجل ولا وجل. ولم تخجل السلطة ولا خافت من إحالة الصحافة "بالجملة" على المحاكمة، فالسجن. واستمرت المواجهة هكذا بعنف متزايد الى أن دعت المعارضة إلى "إضراب شامل يستمر ثلاثة أيام" ثم وجهت الدعوة الى تجديده "حتى سقوط الطاغية"! وفي اليوم الثالث نشبت "أزمة دستورية" نتيجة استقالة الحكومة وتعذّر تأليف سواها! مما جعل رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري يجد نفسه مضطراً الى تكليف قائد الجيش الجنرال الامير فؤاد شهاب تأليف حكومة تستعين بالجيش لفكّ الإضراب. ولما رفض الجنرال زج الجيش في ما كاد يصبح مواجهة مع الشعب، طلب منه الرئيس ترؤس حكومة وطنية غير عسكرية وسلمه نسخة من الدستور وكتاب استقالته قائلا له إن الدستور، والحال هذه، يخوّل الحكومة مجتمعة ممارسة صلاحيات رئاسة الجمهورية. وعليه، استطراداً، دعوة مجلس النواب إلى الإلتئام لانتخاب رئيس جديد.
ولم يمدّد الرئيس شهاب بقاءه في الحكم، شأن ما فعل سواه في حالة مماثلة بعد سنوات، على رغم عريضة كان قد وقّعها نواب "الاكثرية" يرفضون فيها استقالة الرئيس ويطالبونه بملاحقة نواب الاقلية المعارضة التي كان قد ازداد عددها وتوسّعت تحالفاتها.
***
وانعقد المجلس في الأسبوع التالي ليأخذ علماً بموجب الدستور باستقالة رئيس الجمهورية وانتخاب خلف له.
وهكذا كان… فدارت المشاورات بين النواب. ونشأت تحالفات حول المرشحين انتهت الى بقاء مرشحين اثنين في الساحة هما كميل شمعون مرشح "الجبهة الاشتراكية" الوطنية، الذي طلب فيها اطلاقه من التزاماته الحزبية، والأستاذ حميد فرنجيه، الذي رشحه تكتل معارض آخر.
وجرى توافق في الكواليس النيابية، طلباً لانتخاب الرئيس العتيد بالاجماع، على تكليف النائب يوسف سالم بذل مساعيه في هذا السبيل نظراً الى حياده ولكونه غير ماروني ومن كتلة نيابية لم تعلن موقفها. وجمع الوزير السابق المرشحين الاثنين في منزله في محاولة اولى للتوفيق بينهما. ولما لم تنجح هذه المحاولة، طلب من كلا المرشحين الاثنين إيداعه لائحة بالنواب الذين يؤيدونه.
والظريف ان الحكم خرج ليعلن انه تبين له ان عدد النواب قد ازداد نظراً إلى أن كلاً من المرشحين توسع بعض الشيء في "إحصاء"!!! مؤيديه.
وبدل ان ينفض الوسيط يوسف سالم يده او يعلن عجزه، قام بسلسلة من الاتصالات المكثفة مع رؤساء الكتل النيابية كلها، الاقليمية منها والحزبية واقترح اثر ذلك أن يوافق النواب على استمراره في المشاورات مع الكتل ينتهي، إذا أمكن الأمر الى جمع المرشحين الاثنين في اجتماع مغلق يخيّرهما خلاله بين إجراء الاحصاء في اجتماع ثلاثي تجري فيه المقارنة بين لائحتي المرشحين الاثنين صراحة. ولا أجزم بأن اجتماعاً بين المرشحين لم يحصل بوساطة يوسف سالم وسواه. ولكن الذي أعرفه هو أن السؤال طرح على المرشحين وسواهما من رؤساء الكتل وممثليها: هل تفضلون الاستمرار في الوساطة أم يستعيد المرشحان وسيداهما حرية خوض معركة انتخابية مفتوحة. وانتهى التشاور الى قرار الاستمرار في "الوساطة" الى أن أعلن النائب الوسيط ان الاتفاق قد تمّ على انسحاب حميد فرنجيه من الترشيح لمصلحة كميل شمعون الذي تعهد تأييد فرنجيه لخلافته، والعمل على جعل مؤيديه يلتزمون ذلك فوراً أي قبل الاقتراع.
• • •
ولأن رئيس مجلس النواب ألحّ على التمسّك بحرفية النظام الداخلي الذي لا يجيز اية خطابة في جلسة الانتخاب، بل يلزم المجلس مباشرة الاقتراع فور اجتماعه، لم يتمكّن النائب فرنجيه من إعلان انسحابه وتهنئة الرئيس كميل شمعون بانتخابه، ولا حتى إعلان كونه سيقترع له، على رغم ان ذلك كان قد صار معلوماً وتأكد من طلب نائب زغرتا الكلام دون سواه، وأوضح خارج المحضر أن هدف طلب الكلام كان التنويه بضرورة اعتبار الاجماع الرئاسي دعوة إلى إجماع برلماني يتجاوز كل ما كان قد حصل بين النواب جميعاً، بمن فيهم الذين كانوا من الفريقين قد تراشقوا بتهم ذهبت إلى حد الخيانة… من غير تحديد مَن خان مَن، ولحساب مَن كانت الخيانة !
غسان تويني
ghs@annahar.com.lb




















