الأرقام المذهلة للمال العام المهدور في العراق، التي تضمّنها تقرير منظمة الشفافية الدولية؛ تسلّط الضوء على خطورة نزيف الفساد الذي ينهش الجسم العراقي. آفة تهدّد بأفدح العواقب. آثارها المهلكة تضرب في كل اتجاه. لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل هي تتمدّد إلى النواحي السياسية والأمنية؛ بحيث تؤدّي إلى زيادة تعقيد الأوضاع ومفاقمتها.
وأخطر ما في الأمر، أن قسماً من النهب يتسرّب إلى القوى التي تهدّد السلم الأهلي. يرفدها بما يلزمها من أسباب التمكين والاستمرار، لتبقي الوضع الأمني رهينة بيدها.
يذكر التقرير أن نحو مئة مليار دولار، من موارد العراق؛ تبخرت في السنوات الست الماضية، نتيجة لاستشراء الفساد المتغلغل في دوائر الدولة. مبلغ هائل، في مدة زمنية قياسية. وفي هذه الساحة، المعروفة ويلاتها وكوارثها؛ يأخذ مثل هذا الرقم حجم الخطر القاتل. ولم يبالغ رئيس الحكومة، عندما حذّر بأن استمرار حالة الفساد هذه، قد تؤدّي إلى «الانهيار». والأخطر، أن 20%، حسب التقرير، من المسلوب؛ وصل، بطريقة أو بأخرى، إلى الميليشيات المسلحة.
أيضاً هو مبلغ ضخم، يكفي لتموين ماكينة العنف وتأمين استمرار جاهزيتها. مثل هذه «الإيرادات» السخيّة والسهلة، تتحوّل؛ مع الوقت، إلى مصالح ضخمة؛ يستميت أصحابها في الدفاع عنها. بل في الدفاع عن الوضع الراهن الذي يفرزها. وربما كان ذلك أحد أهم أسباب تعثّر العملية السياسية. فهذه الأخيرة مازالت تترنح، منذ سنوات. تسربلت بكافة أصناف القيود والعراقيل والاشتراطات. بعد إقلاع صعب، وقعت في المراوحة.
الإصلاحات الدستورية، تعذر تحقيقها. يكاد يطويها النسيان، بعدما طالت إقامتها في الأدراج. ومثلها القضايا الأخرى العالقة؛ مثل الفيدرالية والتقسيمات الإدارية وغيرها. كلها بقيت ليس فقط مؤجلة، بل ازدادت تأزماً. ويعترف العراقيون بأن كل هذا التعليق والتأزيم، مردّه غياب المصالحة الوطنية؛ وأن لا مدخل سواها. مع ذلك ما زال مفتاحها مفقوداً. محاولات لا تحصى، انتهت إلى الفشل. صار من غير المجادل فيه، أن كل ما تأخر اقتحام هذا المدخل بنجاح؛ كلما ازداد تعقيد الأزمة واستفحلت كلفتها.
وهذه الحقيقة تكتسب أهميتها اليوم أكثر من أي وقت مضى. العراق على مسافة نيّف وشهر، من تسلّم حكومته لكافة المسؤوليات الأمنية؛ في المناطق المدنية. كما أنه على مسافة أشهر من إجراء انتخاباته النيابية. شبح الأمن، عاد يطل برأسه من جديد، ولو بصورة متقطعة. نزيف الفساد، تبيّن أنه من الدرجة القاتلة. من دون المصالحة الوطنية الشاملة، لن يقوى العراق على وقف كل هذا النزف القاتل. حان وقت وقفه.




















