المستقبل –
"ثوابت هيرودوت او الهويات الثقافية المشتركة" كتاب جديد لبهجت رزق صدر عن "منشورات الأوريان لوجور" بالفرنسية وهو من المؤلفات الصعبة والمشوقة التي تقود القارئ الى ألفين وخمسمائة سنة الى الوراء حين وضع هيرودوت او "اب التاريخ" اول تعريف او تحديد لمفهوم الأمة وبالتالي توصل الى تحديد الثوابت في تركيبة الهوية الثقافية الجماعية. وينطلق في الدراسة من نموذج قد ينطبق على كل زمان ومكان وهو حادثة تاريخية وعسكرية حصلت منذ عصور غابرة حين قرر ملك الفرس غزو اليونان فكان ان تكاتف كل اليونانيين المهاجرين والموزعين على مدن العالم في مواجهة الغازي "القادم من الخارج"، وما حصل يومها لا زال يتكرر عبر التاريخ، وقد جاء في النص الأصلي: "هناك العالم اليوناني الموحد في لغة واحدة ودم واحد، كذلك تجمعه الهياكل الخاصة بالصلاة والتضحيات المشتركة" انها التقاليد التي لا يمكن لأي واحد من ابناء اثينا ان يخونها.."
قدم للكتاب سليم عبو في كلمة معبرة تختصر فكرة المؤلف وبما يزيد عليها تحديده الخاص وجاء في المقدمة: "ليست الهوية حالة انما هي فعل سيرورة وتطور. ليست الهوية جوهرية ثابتة بل هي من المسلمات التاريخية التي تبنى ثم تهدم ثم يعاد بناؤها حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المحلية او المناطقية. وفي هذا المنظور الديناميكي ينطلق بهجت رزق ليدرس التحولات في الهويات الثقافية الجماعية نسبة الى مفهوم العولمة..
وإذا الكتاب ينطلق من حقبات تاريخية غابرة فهو يصب في التاريخ المعاصر وصولاً الى اليوم، وتنقسم الدراسة الى جزئين رئيسيين: في الجزء الأول عودة الى المفاهيم والمعتقدات الأولى للانسان عبر التاريخ خاصة في اطار الدين والممارسات الدينية وفي التقاليد وفي اللغة وفي الاعراف والانتماءات، واذا هيرودوت "أب التاريخ" يحضر في البداية فإن المؤلف يصب بفصول دراسته في جزئها الأول في مراجع انتروبولوجية وهي مؤلفات لكلود ليفي شتراوس أهمها: "عرق وتاريخ، عرق وثقافة" كذلك كتاب سليم عبو "الهوية الثقافية" وايضا "ثقافات وحقوق الانسان".
أما الجزء الثاني من الكتاب فهو يبدأ في الماضي القريب ويصب في الحاضر وهو عبارة من مقالات للمؤلف صدرت في جريدة "الأوريون لوجور"، والمدينة النموذج هي بيروت في العام 2000 "منذ العام 2000 وبعد مرور القرن والألفية، وبعد ظهور التقرير العالمي للثقافة المنطلق من منظمة الاونيسكو تحت عنوان "التنوع الثقافي" تعددية وصراعات" جاء قرار الجمهورية الاسلامية في ايران بادخال مفهوم "تحاور الحضارات ما بين الدول المتحدة" والتركيز في القمة الفرنكوفونية التي كان مقرراً افتتاحها في بيروت عام 2001 ثم تأجلت الى العام 2002 بسبب احداث 11 ايلول، على فكرة "حوار الثقافات"، لم اتوقف عن التفكير في موضوع النزاعات الثقافية انطلاقاً من النموذج "لبنان" نقطة التقاء الشرق والغرب".
بيروت العام 2000
وينطلق المؤلف في لغة مغايرة في الفصل الذي يحمل عنوان "بيروت العام 2000" حيث يسرد للقارئ بأسلوب عاطفي الى حد ما علاقته بالمدينة: "بيروت، بعد عشر سنوات، 1990. الحرب. قنابل، هتافات، صراخ في الليل" بيروت تتمزق، تلتهم نفسها، تنتحر. وأنا لا أتعب من الدوران في المدينة، في الليل. اريد فقط النظر اليها مضاءة وغارقة في النوم.
وما يكتبه هنا لا يشبه على الاطلاق ما بدأه في الجزء الأول من الكتاب، وينتقل المؤلف بسهولة بين لغة تاريخية توثيقية تحليلية هنا، ولغة عاطفية سردية هناك.
غير ان ما يهدف اليه رزق في الكتاب يظهر في الفصول اللاحقة حيث يسرد ايضا تجربته الشخصية في علاقته بالمدن، بأكثر من مدينة عبر العالم، وبالتالي في استنتاجات تربط ما شرحه في الجزء الأول بما خبره في الجزء الثاني، لكن ثمة تحول في الكتاب في جزءيه من لغة تاريخية غنية بالمفردات الصعبة الى لغة حميمة سهلة وسريعة الايقاع. ثم يمزج ما بين الاثنين في الفصول الأخيرة حيث يحاول استرجاع ماضي كل مدينة وتاريخها وربطه بحاضرها:
بيروت، باريس، لندن، روما.. ثم يعود الى حاضر بيروت مع دراسة كل او لمجمل الأحداث العالمية الصاخبة التي تركت اثرها بشكل او بآخر فيها، وتحت شعار او عنوان واحد يتكرر بطرح السؤال: وطن او لا وطن: تلك هي المسألة ويسرد بأسلوب مشوق تجواله في المدن ويتذكر او يسترجع كل واقعة او حادثة او معاهدة جرت فيها وفي فصل بعنوان: "لندن بين التقليد والتاريخ الحديث "كتب بهجت رزق": من جديد، انا في القطار الذي يسير مسرعاً ويقطع في عشرين دقيقة تحت الماء المانش، لا أتعب بتاتاً من هذه المسافة التي قطعتها مراراً وتكراراً (منذ 1994) وكل مرة بسرعة متزايدة وذلك منذ ربع قرن، وكانت بداية في باخرة تستمر رحلتها الليل بطوله في مسافات لامتناهية وكان ذلك حين كنت ادرس ما بين الجزيرة والقارة. كيف كان يمكن ان يفكر غيوم لو باتار، دوق النورماندي، بالأمر، وهو الذي اصبح بعد معركة هاستنغز في 14 تشرين الاول 1066 معروفاً باسم غيوم الاول الفاتح وكان ذلك منذ نحو الف عام، وقد قاد انتصاره على خصمه هارولد الدانماركي الى ولادة انكلترا الجديدة؟ غالبا ما سلكت هذا الدرب الذي يجعلني اتساءل حول البداية والاصل لكل مكان لكي اتمكن من تحديد الزمان والمكان وأغوص اكثر في الطريق الذي اسلكه"…
كتاب ممتع وغني يقدمه بهجت رزق حيث مادة التاريخ مدموجة بخفة وذكاء بالحاضر، فيعيش القارئ متعة ربط الأمكنة والمدن بأزمنة متفاوتة وتواريخ وأسماء وشخصيات وحكام وأحداث ما يجعل فكرة البحث عن الهويات الثقافية المشتركة تنخرط بمسارها التاريخي والثقافي والاجتماعي بما يشبه القصة المنسوجة على وقع مطرقة التاريخ، الى جانب الحس الوطني للمؤلف الذي يبدو انه يتفوق في بعض الفصول على موضوعية الكتاب، فلا يعرف القارئ بالتمام اذا تقصد المؤلف الامر ام ان هذه المشاعر الوطنية تدخل من حيث لا يدري الكاتب في تركيبته الثقافية والاجتماعية والسياسية التي هي مادة الدراسة الاولى والأخيرة. وفي مطلق الأحوال، خيار المؤلف بتفسيم الكتاب الى دراسة أولى يليها المقالات التي نشرها بين العامين 2000 و2008 يشير الى انه اراد ان تشكل هذه المقالات التي في الغالب تتناول اسفاره ورحلاته عبر المدن والبلدان ما يشبه النماذج الحية لما حاول شرحه نظرياً في الجزء الأول، وفي هذا الاطار، يخص انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الاميركية بتحليل خاص وباعتباره انتخاباً رمزياً لانتصار افكار ومعتقدات انسانية كثيرة: "عرف باراك اوباما كيف يستفيد من الافضل من نخبة الثقافتين لديه (..) ليحكم الولايات المتحدة الأميركية التي بقيت حتى تاريخ انتخابه ملطخة بذكرى خطيئتها الاصلية الا وهي "العبودية"..




















