المستقبل –
لا يزال النقاش دائراً حول الحداثة في العالم العربي وهو ما يمكن رؤيته بشكل نموذجي في تطور الفنون التشكيلية في الحقبة الممتدة من 1880 إلى 1920، حيث استبدلت الأساليب الخاصة بالفنون التقليدية الإسلامية بالأسلوب الغربي. فأنشئت الأكاديميات والمتاحف والمعارض الرسمية مما ساهم في إدخال الفن الأكاديمي إلى الشرق وإكسابه مكانه في الحيات الفكرية والاجتماعية والمدينية عبر بناء الصروح والنصب والمعالم البارزة.
تستكشف هذه الدراسة "بحثاً عن حداثة عربية" للمؤلفة سيلفيا نايف، الصادرة عن دار "سلاتكين" في جنيف باللغة الفرنسية، وعن "أجيال" في بيروت بعدما ترجمها عن الفرنسية حسين قبيسي. أن هناك تزامناً يمكن رؤيته بين التطورات في الفن التشكيلي الأوروبي وتضافر الوعي القومي العربي، الأمر الذي دفع إلى تغيرات راديكالية أخذت اتجاهين مرادفين: الحداثة والأصالة. فإذا كانت الأولى مستوردة من الغرب، فإن الثانية استوحت نفسها من التراث، وهو ما يشمل بطبيعة الحال كل الحضارات المتلاحقة في الشرق الأدنى قبل مجيء الثقافة الغربية ومن بينها مصر ولبنان والعراق حيث تركز عليهم هذه الدراسة باعتبارها من الدول التي لعبت تاريخياً ومن حيث الأهمية دوراً أساسياً في تطور الفنون في المنطقة.
صحيح أن الدراسة اقتصرت على الدول الثلاثة إلا أنها تناولت الإتجاهات الواسعة في بقية العالم العربي، وقد جاهدت الباحثة نايف من خلال التحليل والوصف التأكيد على وجود فن عربي على الرغم من وجود فوارق بين بلد وآخر، غير أنها تركز على التماثل المدهش بين العراق، وتماثلاً أدنى بقليل بينهما وبين لبنان، لجهة تطور الفنون التشكيلية، وذلك من غير أن يكون هناك اتصالات وتبادل أفكار بين الفنانين المصريين واللبنانيين والعراقيين.
وفي سياق معالجتها لموضوعة الحداثة في الفن العربي، عملت الدراسة وبتلخيص واحد على جمع جملة من الظواهر لتثبت صحة الرأي القائل بوجود فن عربي برغم الفروق بين بلد وآخر. وهي تؤكد أنه من غير أن يكون هناك اتصالات وتبادل أفكار بين الفنانين المصريين واللبنانيين والعراقيين، فإن ثم تماثلاً كبيراً بين العراق ومصر، وتماثلاً أدنى بقليل بينهما وبين لبنان، لجهة تطور الفنون التشكيلية. فقد أعقب المرحلة الأولى التي جرى خلالها تبني الفن الغربي واعتماد مفاهيمه وأساليبه، مرحلة ثانية جرى خلالها تكييف هذا الفن مع التقاليد التراثية المحلية وذلك منذ أن بدأت البلدان العربية تصبح دولاً مستقلة.
لقد استطاع إذاً تقليد تراث فني ذو طابع شعبي، أن يستمر في التاريخ، إلا أن الإحتكاك بالثقافة الأوروبية كان من شأنه أن يحدث انقلاباً في القيم. ولما كانت الفنون التقليدية، والتجريدية أو على الأقل الفنون غير الواقعية، لا تستجيب للمعايير الأكاديمية الأوروبية في القرن التاسع عشر، فإنها لم تعتبر فنوناً، وإنما اعتبرت، في أفضل الأحوال، أشكالاً زخرفية. وكان الفن الغربي يحل محلها تدريجياً بمقدار ما كانت النظرة الأوروبية إلى الفن تتقدم وتفرض نفسها. من هنا فإن الفكرة القائلة بأن البلدان العربية كانت لا تمتلك ثقافة تشكيلية عمّت وانتشرت، وساد الإعتقاد بأن نعدام هذه الثقافة هو جزء من النقص الثقافي والعلمي الكبير في العالم الإسلامي، وأنه ينبغي العمل على سدّ هذا النقص.
كان ظهور الفن وفقاً للمنهج الغربي، خلال العقود الأولى من القرن العشرين، متشابهاً في مصر والعراق ولبنان. لم يأتي ظهور الفن الغربي في أول الأمر كفن جديد على حساب الفنون التقليدية التي انزوت وأهملت فحسب، بل جاء أيضاً على حساب المحاولات التي جرت في أواخر القرن التاسع عشر وفي أماكن مختلفة، بغية التوفيق بين الفنين الجديد والقديم.
كان في ذهن الفنانين العرب الأوائل أن الفن الحقيقي الوحيد هو الفن الغربي في شكله المعروف في ذلك الوقت، أي الفن التشخيصي، بشكله الأكاديمي. وتبنوا في الوقت نفسه النظرة الغربية فصاروا يرون أن ليس لبلادهم أي تراث فنيز وهكذا استبدلوا مفهوماً معيناً للفنون التشكيلية بمفهوم آخر. وغالباً ما كان ذلك يحدث في البلدان العربية الإسلامية. وخلافاً لما في ميادين أخرى أكثر حساسية، فقد قبل هذا التغيّر في ميدان الفنون التشكيلية، واستطاع الفن الغربي النمط أن يحظى بجمهور وإن كان محدوداً من هواة المناظر الطبيعية والمشاهد الشعبية، حتى أن "مدارس" حقيقية نشأت وفرضت نفسها على الجمهور، لا سيما في مصر وفي لبنان.
أفضل تلخيص لوضع الفنون العربية في آخر تلك المرحلة يمكن رؤيته عند مصطفى فروخ الذي سجل انطباعاته وآراءه في اللوحات التي عرضت في بيت الأونيسكو ببيروت عام 1949. ضم ذلك المعرض، إلى أعمال الفنانين اللبنانيين، أعمالاً لفنانين مصريين وعراقيين وسوريين. وتشير الدراسة إلى معرفة آراء فروخ في الفن، ولا سيما رأيه المعادي للتحديث الفني. ومع أن الملاحظات التي سجلها فروخ تندرج ضمن هذا الموقف، إلا أنها تبقى ذات فائدة جلى لأنها تتيح للمهتمين تكوين فكرة دقيقة عن حالة الفن العربي في تلك الفترة الحاسمة بالذات. بيد أن ما يؤسف له أن فروخ لم يذكر أسماء الفنانين الذين تناول لوحاتهم بالوصف والنقد، في حين وصف الفن المصري بالرزانة والإتزان بالرغم من الصراع الذي كان يخوضه ضد الفنانين، جماعة الفن الحديث، المتطرّفين المتزايدين باستمرار. في حين نظر إلى الفن العراقي الذي كان يميل نحو التحديث بأنه يتميز بحرية المبادرة وحيوية الألوان. ولكنه رأى أن مستوى النحت العراقي كان أرفع من مستوى الرسم. وإن هذه الملاحظة كانت تنطبق على الفن السوري أيضاً بحسب رأيه. إلا أنه أشار إلى أن لبنان هو بلد الطبيعة ورسم المناظر الطبيعية، ولذلك صنف الفن العربي الذي ساد في تلك الفترة، في مرحلة الكلاسيكية المتحررة.
كانت بيروت في الستينيات عاصمة للفن لا من الناحية الثقافية فحسب بل من الناحية التجارية كذلك. فقد كان فيها غاليريات تجتذب الفنانين من جميع الأقطار العربية. وفي بيروت تكونت بالفعل أهم سوق عربية للفن. كان ذلك ناجماً عن عاملين هما وراء الإنفتاح الضروري لتكوين سوق للنتاج الفني: الأول هو حرية السوق والنظام الليبرالي في لبنان، والثاني هو الدور الذي لعبته بيروت عندما كانت عاصمة العالم العربي الثقافية. علاوة على ذلك، كان هناك جمهور من هواة الفن القادرين مالياً على شراء اللوحات وجمع المنتجات الفنية.
وضعت الحرب الأهلية التي انفجرت في منتصف السبعينيات، حداً مؤقتاً لازدهار تلك السوق لا بسبب انعدام الإستقرار والدمار الذي خلفته وراءها فحسب، بل لأنها أعادت توزيع الثروات توزيعاً جديداً، وفي كثير من الأحوال، لم يكن لدى الميسورين والأثرياء الجدد الذوق الفني الذي كان لدى السابقين، بحسب ما يقول وضاح فارس الذي عمل مع يوسف وهيلين الخال في غاليري "وان" ببيروت قبل أن يؤسس في العام 1971 غاليري خاصة به هي غاليري كونتاكت. ثث كرر تجربته وافتتح غاليري "فارس" في باريس عام 1980 غير أن هذه التجربة كانت فاشلة بسبب غياب أي دعم عربي لها.
ومع نهاية أعمال القتل المجاني بين اللبنانيين، أخذت بيروت تستعيد رونقها وحياتها الفنية ودورها في تسويق النتاج الفني. فقد ارتفع عدد الغاليريات وارتفع مستواها، فهي لا تعرض أعمال الفنانين اللبنانيين فحسب بل تعرض أيضاً أعمال الفنانين العرب والأجانب كما أن سوق الفن فيها منظمة بمهارة مهنية فائقة، وفيها عدد كبير من اللبنانيين الذين يمتلكون مجموعات فنية خاصة.
تستنتج الدراسة في عرضها الشامل لواقع الفنون في العالم العربي، أنه لم يتكون بعد سوق حقيقية للفن في أغلب البلدان العربية، وسبب ذلك إلى الظروف السياسية وإلى ندرة الذين يقدرون الفن حق قدره، فيولونه الإهتمام الذي يستحقه ويعملون على شراء نتاجه. وفي ضوء ذلك يمكن ملاحظة أن الفنون التشكيلية العربية، باستثناء لبنان، لا تزال خاضعة للدولة في ما يتعلق بالشراء. ولئن كان هناك دول عربية تشجع الفن، فلأنها ترى فيه وسيلة للدعاية الناجعة وما أكثر ما يدعو الفنانون بأنفسهم الناس ويناشدوهم دعم عملهم الفني لانعدام مصادر تمويل هذا العمل. فليس بدافع الإنتهازية فقط يمتدح البعض إذاً مبادرة السلطات الرسمية لدعم الأنشطة الفنية، بل بسبب العقبات والصعوبات المالية التي على الفنان أن يواجهها في سوق حرة شبه معدومة أصلاً تقريباً في العالم العربي.
تساءل الأديب أمين الريحاني في مقالة له كتبها عام 1935 لمناسبة معرض أقيم لأعمال الفنان اللبناني عمر الأنسي، لماذا لا يهتم الكّتاب بالفنون التشكيلية ولا يجعلونها موضوع كتاباتهم، ودعاهم إلى الكتابة في هذا الموضوع مرة على الأقل في السنة. فمنذ زمن أقرّت أهمية النقد الفني المحترف إذاً ودوره في كوسيط بين الفنان والجمهور، فقد كتب الفنان العراقي نوري الراوي في العام 1962، إن جلّ ما نطلبه من الناقد اليوم هو أن يقوم بتيسير فهم الصورة الفنية للجاهلين بالفن، وأن يعمل في استجابة سليمة لموقف راسمها من الموضوع الذي تناوله، على تحديد نجاحها أو فشلها، ليقدم خلاصة ذلك للمثقفين.
في الصحافة احتل النقد الفني مكانة هامشية. في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية زوايا وأبواب مخصصة لمعالجة مواضيع الفن الحديث وأخباره الوطنية، غير أن معظم ما كان ينشر فيها لا يتعدى الحوار مع هذا الفنان أو ذاك، وليس فيها أي تحليل معمق سيتند إلى معطيات الأعمال الفنية الملموسة. ينطلق فيها الصحافي أو الكاتب من بعض الأفكار السطحية الجاهزة في الفن أو من نظرة إيديولوجية إلى ما ينبغي أن يكون عليه الفن أو يمثله. ويظهر ذلك في قراءة الجوانب الوطنية في أعمال الفنانين، حتى عندما تكون الأهداف التي ينشدها البحث التشكيلي في هذه الأعمال أهدافاً مختلفة تماماً. يأسف مختار العطار لإهمال الصحافة الفنون التشكيلية إهمالاً تاماً، ويقول إن المصورهي المجلة الوحيدة في مصر التي تنشر مقالات في النقد الفني جديرة بهذا الإسم. وبينما لم يكن يظهر هذا الفن في البلدان العربي الأخرى إلا بوصفه موضوعاً ثانوياً في صحافتها الأدبية، تخصص مجلة الإبداع الثقافية موضوعاً للفنون التشكيلية في كل عدد من أعدادها.
لكي يكون الجمهور في مستوى تذوّق الفن ينبغي أن يكون لديه ثقافة وتكوين و"ذوق" جمالي لايمكن اكتسابه إلا بالتربية والتعليم والقراءة ومشاهدة المعارض الفنية. في الغرب هناك تقليد عريق يحمل "المثقفين" على الإهتمام بالفن. قبل القرن العشرين، كان الفن في العالم العربي فناً تطبيقياً أي فناً يقوم على زخرفة الأغراض المستخدمة في الحياة اليومية. أما الفن الأوروبي "الأعلى" فقد كان فناً يستهلك في أماكن محددة مكرسة لهذه الغاية، وكان له ولممارسة تذوّقه، على الأقل في بداية القرن العشرين طابع شبه قدسي، إذ كان للمتحف شيء من حرمة الكنيسة فلا يتكلم فيه بصوت عال. وعندما انخرطت النخب العربية في النمط الأوروبي تبنّت، وإن بصورة سطحية على الأقل، المفهوم الأوروبي للفنون التشكيلية والنظرة الأوروبي إلى هذه الفنون.
إذا كان من الخطأ تجاهل الفروق القائمة على صعيد الفن بين البلدان العربية، فلأن التماثل الذي يجمع بينها أكثر بكثير مما يفرقها الإختلاف. غير أن العقبات العملية متشابهة في جميع البلدان العربية. حتى في لبنان، البلد الذي يشذ عن القاعدة، يبدو تطور الفن لديه شبيهاً في العمق بتطوره في البلدان العربية المجاورة. والأمر الأساسي الذي يجعل لبنان مختلفاً ناشئ عن عدم وجود تيار عروبي قوي فيه. مما أدى، في ميدان الفن، إلى أن مرحلة الأكاديمية لم تعقبها مرحلة عودة إلى التقاليد الفنية المحلية، بل أعقبتها مرحلة تعميم الحداثة، فشملت الأساليب كلها. ومع ذلك، أخذ الفن التشخيصي في هذا البلد، ابتداءً من السبعينيات، يعود أكثر فأكثر إلى الفنون الشعبية، واتخذ الفن التجريدي منحى حروفياً متزايداً. ذلك أن الفن لا يمكن ممارسته في فراغ ثقافي، بل لا بدّ أن يمارس في حيّز ثقافي معيّن. هذا الحيّز الثقافي هو الثقافة العربية ذات الطابع والاهتمامات المتشلبهة، على الرغم من الخصوصيات المحلية البارزة.
هذه الرؤى إذاً تطرح مسألتين أساسياتين على الفن العربي:
*- صلاته بالفن الغربي، وهي مسألة لا تعني العالم العربي وحده، وإنما تعني الفنون التشكيلية في عموم البلدان غير الأوروبية.رداً على هذه المسالة، طرحت في العالم العربي، أجوبة اختلفت باختلاف البلدان والحقب التاريخية، لكنها تقاربت ونحت في الآونة الأخيرة نحو نمط واحد.
*- صلاته بالثقافة والتراث العربيين، وهذه مسألة تعني العالم لبعربي وحده، فهي تتصل بالسياق العربي وقد وقد أفضت بدورها إلى أجوبة متنوعة. وهي زمنياً متأخرة عن المسألة الأولى لأنها، كما نرى في تفاصيل الكتاب، لم تكن مطروحة على جيل الفنانين الأول.
لا شك لم يكن البحث عن الحداثة في الفن العربي مشروطاً باكتشاف مفهوم جديد للفن فحسب، كانت تلك مرحلة ما بعد الاستقلال، وكانت الدول الجديدة تبحث عن شرعية لنفسها باستنادها إلى الوطنية. وكان عليها أيضاً أن تكيف الشخصية العربية مع العالم الجديد، وأن تخلق هوية جديدة، وتلك مسألة ما زالت تستأثر باهتمامها وتجهد في سبيلها.




















