أقصد بصناعة السلطان من الناحية التاريخية، قدرة العلماء على توظيف معارفهم ورمزيتهم الدينية والاجتماعية في عملية إنتاج رجال الدولة ورعايتهم وإقامة الدول. وسوف نحتاج في إثبات عدم تمكن علماء السنة تاريخيا من صناعة السلطان إلى كثير من الاستقراء لطبيعة العلاقة بين العالم والسلطان. وسوف نضطر للمقارنة بين المجالين السني والشيعي حيال نفس الظاهرة. ذلك أن تدخل العالم في صناعة السلطان حرفة لا تروج في الاجتماع السني، بسبب وجود منظومة مستقلة لإنتاج رجال الدولة، لا يحضر فيها العالم والمفكر، إلا من خلال أدوار تكميلية ضعيفة التأثير للغاية.
إن العلاقة بين العالم والسلطان لدى السنة تتخذ عدة أشكال، فتبدأ من الصراع أو الحذر، ثم التماهي، أو النصح العاقل. والواقع أن حذر السلطان من العالم لم يعد له ما يبرره. فالعلماء لا يمتلكون الشوكة ولا العصبية. لقد انتهت علاقة الصراع والحذر بنتيجة مختلفة وهي الإلغاء الشامل، حيث لم يعد للعالم وجود في السياسة. أما دوره في الاجتماع فيبدو محدودا جدا، فقد استحوذت السياسة على كل شيء.
لا أتحدث هنا عن أسباب الظاهرة، بقدر ما أركز على وصفها لضيق المجال. الفشل ليس كلمة قبيحة بل مجرد وصف لما يعتبر مسارا تاريخيا طويلا تخللته بعض الاستثناءات، التي لا تؤثر في كون هذا الحكم أغلبيا من حيث المعطى في التاريخ والاجتماع والسياسة. بالمقابل فإن حرفة صناعة الدول والقادة السياسيين الكبار حاضرة بوضوح في التقاليد الشيعية. وقد كان للصوفية في التاريخ السني بعض من هذا الدور، خاصة في تاريخ تشكل الدولة العثمانية. وكانت مؤسسة شيخ الإسلام في بداياتها في الدولة العثمانية مؤثرة في مسار الدولة ورجالها، قبل أن تضعف في النهاية. لكن الأمر في الاجتماع السني لم يرق إلى كونه تقليدا.
لم تصنع الآداب والأحكام السلطانية يوما سلطانا على وجه الحقيقة. بل بالعكس ساعدت على وضع الضوابط والحدود للفقيه عوض السلطان، وصاغت نفسية الفقيه لا السلطان. يحتل الصراع مساحة هائلة في علاقة العالم بالسلطان في المجال السني. إن أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل كلهم لم يكونوا صناعا للسلاطين، أو مؤثرين في مسارات صعودهم. وكلهم كانوا ضحايا للسلطة في مناسبات عديدة وبدرجات مختلفة. ولم يتمكنوا على أقل تقدير من القيام بمثل الجهد الذي قام به رجاء بن حيوة، في كيفية صعود الخليفة عمر بن عبد العزيز، رغم أن رجاء لم يكن فقيها مُتبعا أو مجتهدا مطلقا. وحتى في حال بلوغ التأثير الفكري عالم الخلفاء، فإن الخليفة المأمون هو من صنع للمعتزلة تأثيرا، والخليفة المتوكل العباسي هو من جلب الحنابلة، وكذلك الخليفة القادر صاحب البيان القادري هو من مكن للحنابلة.
لم يكن أبو حامد الغزالي على عظم مكانته إلا شريكا للوزير المشهور والمقتدر نظام الملك من الناحية الفكرية والعلمية. لكنه لم يبلغ مرتبة صناعة السلطان. بل إن الفضل يعود لنظام الملك في صعود الغزالي، بعد استقدامه للتدريس في إحدى مدارس نظام الملك.
عندما نبحث في مسار شخصية أساسية في التاريخ مثل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ومحيطه القريب، فإننا لا نجد أسماء العلماء الكبار الذين يفترض أنهم أثروا في حياته الشخصية وصعوده السياسي واتجاهاته الدولتية. فنجده محاطا بالقادة العسكريين والكتاب والأدباء وهم الأكثر تأثيرا ومصاحبة له، مثل القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني والعماد الكاتب الأصفهاني. مع وجود إشارات بسيطة جدا إلى تلقيه بعض الفقه القليل على شيوخ ليسوا من الطبقة الكبيرة.
لم ينجح ابن تيمية رغم كل نضاله وجهاده الدؤوب في عملية صناعة السلطان. في الوقت الذي كان فيه خصمه الكبير العلامة الشيعي ابن المطهر الحلي يصنع دولة في بلاد فارس. وقد كان ابن تيمية مشغولا بمواجهة المغول، لكنه كان منتبها جدا وعلى دراية بطبيعة خصمه الشيعي ابن المطهر الحلي. ولذلك كان هجومه عليه شديدا. وهذا هو السياق الصحيح لتفسير بروز كتاب منهاج السنة النبوية في تلك المرحلة الدقيقة، وبتلك اللغة القوية التي لم يحسن الكثيرون فهم سياقها. كان ابن تيمية مدركا أنه لا يرد على الحلي وحده، بل على تيار دولتي يقوده الحلي. والذي أدى لاحقا إلى قيام الدولة الصفوية بالنتيجة.
شرعية حكم المماليك
لم يتمكن سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام من صناعة سلطان. وغاية ما أنجزه رحمه الله أن حل مشكلة فقهية وسياسية كبيرة في تلك المرحلة، تتعلق بشرعية حكم المماليك الذين كانوا يجدون مشكلات فقهية في نفاد تصرفاتهم من وجهة نظر الشرع. بسبب صفة الرق التي تلازمهم. كان ابن عبد السلام جريئا فقهيا وقويا سياسيا، لكنه لم يكن صانعا أو معلما أو مربيا للماليك.
أعرف أن القارئ سوف يتذكر أن عبد الله بن ياسين الذي كان يمثل صيغة الولي الفقيه السني، قد صنع من الناحية الدعوية والفقهية صعود دولة المرابطين، وتعتبر هذه الشراكة بينه وبين الملثمين من قبيلة لمتونة من الاستثناءات القليلة. كما نجد نموذج المهدي بن تومرت زعيم دولة الموحدين لكنه في الحقيقة كان يجمع بين السياسة والدين في شخصيته. وقد اعتمد في ذلك للصدفة الغريبة على عدد من معاني التشيع مثل المهدوية والعصمة.
إننا نتحدث في هذا المقام عن الخط السني العام، الذي يقبل بعض الاستثناءات. وفي تقديري كان ابن خلدون مدركا لأهمية حرفة صناعة السلطان، وقد حاول توظيف معرفته الفائقة بالتاريخ والاجتماع للتأثير في دوائر السلطان. لكنه كان يفلح أحيانا ويفشل أكثر الأحيان. وينتهي به المطاف بالسجن أو الخصومة السياسية وترك البلاد. وفي التاريخ القريب كان جمال الدين الأفغاني أكثر من برزت لديهم حاسة صناعة السلطان ورجال الدول. وكان أكثر من يهتم من بين أقرانه وطبقته بأهمية صناعة السلطان. وللصدفة الغريبة مرة أخرى فقد كان ابن بيئة شيعية، وعارفا بتقاليدها. وقد حاول الأفغاني لكنه أيضا لم يكن موفقا دائما وينتهي به الأمر بالدخول في صراعات سياسية.
في الجهة المقابلة لدى الطائفة الشيعية تبدو الرغبة والعمل على التأثير في القادة السياسيين واضحة. ويمكننا أن نتحدث عن بعض النماذج. حيث يعتبر ابن مطهر الحلي شخصية أساسية في تطور الفكر السياسي الإمامي. وقد ارتبط اسمه بشخصية الحاكم المغولي المشهور أولجايتو في القرن الثامن الهجري، فقد تشيع في فترة معينة. وكان الحلي يدافع ضمنيا عن حكم السلطان المغولي رغم فقدانه شروط الإمامة والشرعية في العالم الإسلامي. وذلك فقط لأن الحلي خصم ابن تيمية، قرر مواجهة المماليك بسبب انتمائهم السني العام. والسعي إلى الإطاحة بشرعيتهم. وكان هذا الميل مقدمة لميل الفقهاء الإمامية لاحقا للدولة الصفوية والتمهيد لها. وكان عمل الحلي أساسيا في مستقبل تشكل الدولة الصفوية.
إذا احتاج دعم قيام دولة إلى وضع الأحاديث والروايات، فالأمر ضروري. ولذلك نجد العالم الشيعي الكبير محمد باقر المجلسي، وهو ابن القرن السابع عشر قد ألف رسالة في الرجعة أورد فيها رواية للإمام جعفر الصادق يخبر فيها عن قيام دولة الصفويين من أذريبجان وجيلان، كإحدى علامات الظهور. لقد زود المجلسي الفكر السياسي الشيعي الإمامي بما كان غائبا عنه في وقته. وذلك بموقف جديد وهو رعاية الملكية وضرورتها. وتحدث في كتابه عين الحياة عن ضرورة عدم الاعتراض على الملوك وسطوتهم. ورأى أن معصية الملوك تجلب البلاء، وأن استجلاب البلاء محرم بموجب التقية.
فكرة الإمامة
إن فكرة الإمامة هي محور التشيع الإثنا عشري، وهي تفرض على رجل الدولة مسبقا الإذعان للفقيه. وتوفر القابلية لدى السلطان الشيعي للتلمذة والتعلم المنتظم مذهبيا. لقد كان السنة ينظرون إلى الخليفة على أنه رمزهم، حتى في لحظات فشله سياسيا. وكان الشيعة نتيجة غياب إمامهم يسعون جاهدين إلى صناعة القيادات السياسية البديلة لملء الفراغ. إن غيبة الإمام حفزتهم على تعلم حرفة صناعة القادة النواب، وكان الفقهاء هم من يتحمل ذلك. أما عند السنة فإن القادة السياسيين يتم إفرازهم بطرق لا صلة لها بضرورات الفقه ومتطلبات العقيدة.
يعتبر المحقق الكركي من القرن العاشر الهجري من أوائل من تحدثوا عن النيابة العامة للفقيه عن الإمام المهدي الغائب، وتحمل مسؤولياته نيابة عنه. ثم تطور معه وضع الفقهاء الإمامية من مجرد رواة للأحاديث إلى نواب عن الإمام. كان علي الكركي العاملي يجوب إيران طولا وعرضا أيام الشاه إسماعيل الصفوي الذي تربى على يد معلمين شيعة لنشر المذهب الإمامي وتمهيد السلطة لإسماعيل، من خلال مواجهة كل مناطق المقاومة السنية المحتملة. وبذل الجهد رفقة غيره من فقهاء الإمامية في إضفاء النسب العلوي على الصفويين. بل كان الكركي يتجول مع اللجان الأمنية في الشوارع ضمن سلوك غريب للمجاهرة بسب رموز السنة.
هنالك مسألة مهمة وهي أن اهتمام الفقهاء الإمامية بمذهب السلطان أكبر من اهتمامهم بحقيقة تدينه الشخصي ومدى التزامه. وعموما فإن الفقهاء الإمامية لا يهتمون مثل علماء السنة وبشكل خاص أصحاب الطبقات والتواريخ والسير بتفاصيل تدين الحاكم. فالغطاء الشيعي العام يعتبر كافيا، وإن شرب الحاكم الخمر أو غرق في الملذات، فهذا ليس داعيا للتدقيق في المخالفات الشرعية التي قد يرتكبها. وربما كان تغاضي الفقهاء الإمامية عن التفاصيل الشخصية لتدين السلطان، قد منح أريحية للسلاطين الشيعة في علاقتهم بالفقهاء. فهم لم يشعروا أنهم قيمون وأوصياء عليهم. ولذلك يبقى الشيعة ينظرون إلى الشاه إسماعيل الصفوي على أنه بطل تاريخي. وينظرون إلى سلاطين الصفويين بتبجيل، رغم أن الشاه إسماعيل مثلا كان غارقا في الخمر والشهوات، حتى توفي عن حوالي سبعة وثلاثين عاما بداء السل، مهموما مغتما بسبب هزيمته في معركة جالديران ضد العثمانيين عام 1514م. كانت هذه بعض الإشارات التي تقبل النقاش.
كاتب مغربي
“القدس العربي”


























