المستقبل –
من البديهي ان العنوان الملحق هو الذي يبيّن المقصود بالعنوان الأول الرئيسي. وهذا العنوان الملحق يتألف من أربع كلمات (أو مفاهيم). يتحفنا المؤلف ببحث، وان تبيّن للقارئ انه يغوص في بحر من التحاليل الدقيقة والمترابطة. أما موضوع البحث، فهو مبادئ، أي أوائل وأصول وخطوط عريضة ـ تمنى المؤلف تمنياً، ولم يقطع وعداً، ان ينطلق منها الى عرض مفصل يفرده لما يتبعها ويرتكز عليها. أما ما كانت المبادئ له، فهو الوجود التاريخي.
إذّاك كان السؤال ما العلاقة بين مقولة الوجود التاريخي، من جهة، والذات والحضور، من جهة أخرى. والجواب عنه يأتي مختصراً في التقديم (ص 5): "الرؤية الأساسية الى الوجود والفعل، الوجود بالفعل". ويأتي مفصلاً في الفصل الثالث والعشرين، "في الغياب" (الفقرة 149، ص 449): "حاولنا، في القسم (=الباب) الأول من بحثنا، أن نحلل مقولة الحاضر باعتبار انها المقولة الأساسية الأولى من مقولات الوجود التاريخي. فميّزنا بين الزمن الحاضر وبين الكائن الحاضر، وفي هذا الأخير بين الواقع الحاضر وبين الذات الحاضرة. ثم انتقلنا الى البحث (=الباب الثاني) في الأنوّجاد أصلاً للحضور، وحاملاً للماهية والهوية، ومرتكزاً لصناعة الذات. فانفتح التحليل، من داخل منطق الحضور، على دور العقل (= الباب الثالث) في حضور الذات الى الواقع وانخراطها فيه، وعلى دور القيم (=الباب الرابع) في صناعة الذات لنفسها وتعاطيها مع العالم حولها. وتوسّعنا في نظرية القيم (=الباب الخامس)، لأنها تعطينا جواباً عن سؤال المعيارية ينتصب في قلب الحضور من حيث هو حضور فاعل. ولكننا، اذ فعلنا ذلك من أجل أن نبيّن، في بنية الحاضر، ثلاثية الذات والواقع والقيمة، كدنا ننسى ان مركزية الحاضر تتضمن تعاطياً مستمراً مع الماضي ومع المستقبل، وكدنا نهمل ان الكائن الذاتي يمارس الحضور الى ذاته والى العالم حوله وهو يتذكر الماضي ويستذكره من جهة، ويتخيل المستقبل ويستطلعه من جهة أخرى. ولذلك يتعيّن علينا، استكمالاً لبحثنا، أن نواجه سؤال القبل (=الباب السادس) وسؤال البعد (=الباب السابع) في منطق الحضور نفسه، الكائن الذاتي يمارس الحضور الفاعل بحواسه ومشاعره وعقله وارادته من دون أن ينفك حاضره عن الزمنية التي تقضي بأن يكون الحاضر زمنا بين زمنين، لا وجود له من دونهما، على الرغم من أنهما، في مفارقة عجيبة، غير موجودين مثله".
لا شك في ان مخطط البحث هذا يحتوي على جميع ما يتطلبه النظر الفلسفي في مقولة الوجود التاريخي. وقد برع المؤلف في شرح التفاصيل بما يقتضيه النظر النقدي الثاقب. لكن لنا أن نطالبه بتأصيل مقولاته في الوجود والعقل والقيمة.
ذلك ان قراءة أخرى، هي أيضاً نقدية، قد تنظر أولاً الى مقولة الوجود منفرداً، والى العقل منفرداً، والى القيمة منفردة. فيكون الحاصل ان الوجود، أو الكون او الكينونة، لا يمكن حدّه بموجب مقولات المنطق الأرسطوي ولا غيره، فالوجود يجد نفسه بنفسه. ويصح القول عينه في العقل المجرد الكلي، وفي القيمة بما كانت قيمة عليا.
ومتى زدنا على الوجود وصفه بالتاريخي، دخلت عليه الزمنية (Temporalite) والتاريخانية (Historialite)، أو دخل فيها، فصح الكلام على ما صار له الوجود فانوجد، أي الموجود أو الكائن، وصحّ الفصل (على ما قال هيغل ومن بعده سارتر) بين الكائن في ذاته والكائن لذاته. وصح ان الكائن البشري، الـ"دازين" (على ما قال هايدغر)، يسعى الى تحقيق ذاته بذاته، لكونه يتميز بـ"نزوعه ـ الى الكمال"، أي بنزوعه الى اكتمال كيانه بأن يحقق معناه، أو يتحقق معناه، وهو ذاته، في واقعه، أي في ما هو عليه مفصلاً الى ما كان وما هو كائن وما سيكون. يبقى السؤال هل يمكن ان يكتمل الموجود ـ الذات لذاته وبذاته، مع كون المعنى ـ الذات ليس في وسع الواقع ان يحتويه. ويبقى السؤال لماذا لا يجوز، خلافاً لموقف بارمينيديس، القول بوجود أو انوجاد اللاموجود أو اللاشيء أي العدم؟ فطالما انوجدت كلمة العدم، فلا بد من انوجاد ما تدل عليه الكلمة، وإن كان هذا الوجود من نوع اللاوجود في الواقع، مثله في ذلك كمثَل الكائن في العقل (ens Rationis) على حسب قول المدرسيين الوسيطيّين. وذلك على غرار القول باللامتناهي والاعتقاد بوجوده لكونه لغوياً يقابل المتناهي القائم في الوجود.
ثم متى دخلت الزمنية على العقل، لم يعد في الواقع أو الشاهد أو الحاضر الا عقول متعدةة ومتباينة، كما يدل على ذلك تعدد الايديولوجيات واختلافها. وذلك الى حدّ القول بأن لكل موجود ـ ذات عقله، ولو كانت الموجودات ـ الذوات متآلفة في مجتمع، حيث قد يتفق الجميع على الكلمات ويكون لكل واحد تصوره الخاص للمعاني. فقد تتيح زمنية العقل القول بعقلانية الرياضيات والفلسفة وغيرها من العلوم، وبعقلانية الأساطير والتخيلات وحتى ما يعتبر اضطرابات عقلية. فحولت التاريخانية القول بالعقل الى القول بالعقلانية.
وتفرعا من زمنية العقل هذه، ثمة زمنية ادراك الموجودات. فبالحس والتصور العقلي يدرك الحاضر، وبالذاكرة يدرّك الماضي أو الماقبل، وبالمخيّلة يدرّك المستقبل أو المابعد، علماً بأن الذاكرة والمخيّلة هما من باب التفكّر.
ومتى دخلت الزمنية على القيمة العليا، نزلت القيمة من عليائها وصارت قيماً، منها ما هو دون غيرها "اكسيولوجيًّا"، كفائدة المنتوجات التكنولوجية اذا قورنت بالجمال والخير والحق والانوجاد. أطبق الفلاسفة المدرسيون في العصر الوسيط على القول بأن قيم الانوجاد والحق والخير والجمال والشيء من شأنها أن تتحول الواحدة الى الأخرى كأنها تتماهى جميعها: (ens, verum, bonum, pulchrum, aliquid, convertuntur) في صدد هذه القيم، يبدو أن المؤلف يجعل الخير في قمة القيم (على ما قال أفلاطون)، في حين أنه يبدو أن الحق، بمعناه الأنطولوجي، هو المعيار الأول. ذلك انك تسأل مثلاً هل هذا الخير أو هذا الجمال حقيقي أم مزيّف، هل هو حقيقة أم وهم.
ثم لنا أن نسائل المؤلف، اذ قال بوجوب الاستقلال الفلسفي، وإبداع فلسفة تكون عربية خالصة. وحدّد ان مثل هذه الفلسفة تقوم على مقولة الوجود التاريخي. من البيّن أن المؤلف يحدد عروبة الفلسفة بخلدونيتها، من دون تبرير اقتصاره على هذا التحديد، في حين ان الأرسوزي مثلاً حاول تحديد عروبة الفلسفة بما تميز به اللسان العربي، وجعلها تنبني على الرحمانية. وفي حين أن زكي نجيب محمود قال بثنائية السماء والأرض وثنائية الطبيعة والفن. يبقى ان يصار الى الاتفاق على ماهية العروبة وهويتها، وعلى ماهية الفلسفة وهويتها.
الى هذه الملاحظات، يمكن القول ان المؤلف، عندما يقوده التحليل الى مقولة من مقولات فلسفته، يتّبع طريقة ديكارت القائل بأنه لا يحتاج الى تحديد كلماته ومقولاته وتأصيلها لكون كل من تمتّّع بالحس السليم يفهم معانيها. وهذا بعيد عن الصحة، أي عن الواقع، فمثلاً تتطلب معالجة كل واحدة من القيم وكل واحدة من قوى ادراك الوجود او الموجود بحثاً قد يكون بحجم البحث القيّم الذي لا بد وأن يتمتع القارئ بمطالعته، واعداً نفسه بأن يقطع له المؤلف وعداً بإكمال ما كان، في مسيرته الفكرية، مجرد "مبادئ".
[ الكتاب: الذات والحضور، بحث في مبادئ الوجود التاريخي
[ الكاتب: د. ناصيف نصار
[ الناشر: دار الطليعة، بيروت 2008




















