وضع خطاب الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، ظهر الاثنين 12/5/2009، في مقر المقاطعة (رام الله)، حداً حاسماً لخلافات وتباينات طال أمدها، داخل أطر اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وفي أوساط "فتح" عامة.
كان هناك عنوانان رئيسيان للخلافات القائمة، وهما، مكان انعقاد المؤتمر وعدد أعضائه. وفي حقيقة الأمر، فإن هذين العنوانين كانا بمثابة غطاء لجملة طويلة وعريضة من الخلافات الداخلية، تراكمت في غضون السنوات العشرين سنة الأخيرة، منذ انعقاد المؤتمر العام الخامس للحركة في تونس حتى الآن. تراكمت ملفات عديدة، كان منها ملف الداخل والخارج، إذ نظر شباب "فتح"، وكوادرها في الضفة الغربية وقطاع غزة، الذين تربوا في كنف الانتفاضة الأولى، وتجذروا في الانتفاضة الثانية، إلى من جاؤوا من الخارج، واحتلوا المناصب الرفيعة، باعتبارهم منافسين لا يستحقون المواقع القيادية. وكان واضحاً إبان "البرايمرز"، وما نتج عنها، قبيل الانتخابات التشريعية الثانية، بأن هنالك عائدا ومقيماً، اضافة الى ملفات الفساد والتقصير، إذ منيت "فتح" بثلاث هزائم كبرى، خلال فترة قصيرة، وهي هزيمتها في الانتخابات التشريعية الثانية، في وجه "حماس"، وهزيمتها أمنياً وعسكرياً في غزة، وتمكن "حماس" من حسم الأمور لمصلحتها، وهزيمة مشروع السلطة التفاوضي مع إسرائيل، ومراهنة فتح ومشاركتها الأساسية فيه. من يتحمل مسؤولية تلك الهزائم الكبرى، وهل ستجري محاسبات جديدة بعيدة عن منطق "كبش الفداء"! إضافة إلى ذلك، لم يعد مقبولاً من الجميع، أن تكون فتح حركة عريضة فضفاضة، تجمع الأطياف جميعاً، وتكون غلابة" دوماً. لا بد من برامج محددة وعلى الصعد كافة، وبالتالي لا بد من إعادة بنائها وفق أسس محددة، تتناسب وروح العصر.
لم تتمكن اللجنة التحضيرية من التوصل الى نتائج محددة خلال عملها، فلم يتم الاتفاق على مكان الانعقاد، وكان قرارها واضحاً، وهو عقد المؤتمر في جمهورية مصر العربية أو المملكة الأردنية الهاشمية، تهرباً من عقده في المناطق الفلسطينية المحتلة، خوفاً من التأثيرات الإسرائيلية المباشرة عليه. كما حصل الاختلاف على عدد أعضاء المؤتمر، فبعد وصول عدده إلى 1548، ارتأت اللجنة التحضيرية تخفيضه الى 650، كي تتمكن من السيطرة عليه، وتمرير نقاط الائتلاف المتفق عليها، والمصالحات المنوي عقدها.
كان رأي الرئيس محمود عباس، بصفته القائد العام ل"فتح"، عقد المؤتمر في بيت لحم أو أريحا، وأن يكون العدد مرضياً للجميع، وأن يتم تأمين "تصاريح" إسرائيلية خاصة لأعضاء المؤتمر القادمين من الخارج. ونتيجة خلافات داخلية احتدت ووصلت حافة الانفجار، أقدم الرئيس محمود عباس، على إلقاء خطاب عام، متلفز، بشأن المؤتمر، ولم يفاجأ أحداً عندما حدد مكان المؤتمر وزمانه وعدد أعضائه. حسم الرئيس عباس الخلافات كافة. لكن الحسم جاء على حساب تجاوز اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وكذلك المجلس الثوري. وألقى بقفازه هذا في وجه قيادات تاريخية في "فتح"، وأطر تنظيمية كانت تعتقد باستحالة تجاوزها. رحبت أوساط داخل "فتح" بهذا القرار، واعتبرته قراراً تاريخياً، ورأت فيه خشبة الخلاص، بينما ترك ذلك آثاراً وظلالاً سوداء في أوسط حركية أخرى، الى درجة اعتبارها، ما قام به بمثابة بدايات انقلاب كبير، وشق للحركة عبر رموزها. أوساط "فتح"، وبعد تكليف الدكتور سلام فياض تشكيل حكومة طوارئ، اثر أحداث غزة الدموية أواسط حزيران ما قبل الماضي، وتشكيل حكومة لا تمثيل ل"فتح" فيها، استشعرت مخاطر استبعادها، لكنها لم تتمكن من أن تفعل شيئاً، وارتضت في نهاية الأمر بها وهي متملمة.
ما حدث من حسم داخلي، ستكون لها آثاره العميقة داخل "فتح"، ليس على صعيد مخاطر الانشقاق فحسب، بل سيطول دور "فتح" ومستقبلها في آن واحد. فتح التي نشأت أوائل الستينات من القرن الماضي، وتزعمت الحركة الوطنية الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. منذ العام 1969 شاخت ولم تعد قادرة على ممارسة دورها القيادي والشعبي والعسكري السابق، ولا بد من تغيير. فشلت "فتح" في تجديد نفسها وأطرها وقياداتها وبرامجها، وأن تتحول إلى ما يشبه الحزب السياسي العصري، وجاء الحسم من لدن رئيسها محمود عباس، كي يدخلها في آتون صراعات داخلية، لن تقتصر على الانشقاقات الداخلية فحسب، بل إلى ما هو أخطر من ذلك وأعمق.
هنالك تفاعلات ساخنة وعلى المستويات كافة داخل "فتح"، وهنالك فرصة لا تزال قائمة حتى الآن، وهي مراجعة ما حدث داخل أطر اللجنة التحضيرية من نقاشات ونتائج، وكذلك مراجعة خطاب الرئيس عباس وتداعياته الخطرة، ومحاولة الوصول الى نتائج واستخلاصات جديدة، من أجل العمل جدياً لدرء الأخطار المحتملة، والوصول ب"فتح" الى التحول المطلوب، والانتقال إلى آفاق مرحلة جديدة، والاحتكام الى المعايير الموضوعية المعاصرة، بدلاً من الانزلاق في مهاوي التشظي والتلاشي وضياع ما تبقى من رصيد كفاحي، دفعت فيه فتح معظم قادتها شهداء.
( أستاذ محاضر في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية – جامعة بيرزيت.)
النهار




















