كما كان متوقعاً، أعلن الرئيس الاميركي باراك أوباما امس إبقاء المحاكم العسكرية الاستثنائية التي أقامتها ادارة سلفه جورج بوش لمحاكمة المشتبه في ارتكابهم عمليات ارهابية والمعتقلين في معتقل غوانتانامو، لكنه تعهد اصلاح هذا النظام الذي سبق له ان تحفظ عنه وعارضه. ونفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إي" تضليلها الكونغرس في شأن استخدام أساليب قاسية في الاستجواب كما اتهمتها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. وتزامن ذلك مع إطلاق الجزائري الاخضر بومدين الموقوف في غوانتانامو منذ اكثر من سبع سنوات وسفره الى فرنسا.
وقال أوباما في بيان إنه غيّر قواعد عمل تلك المحاكم لتعزيز حقوق المشتبه فيهم، بدءا بحظر الادلة التي يحصل عليها بوسائل يمكن اعتبارها تعذيباً. ومن شأن هذه الاصلاحات ان تعيد الى المحاكم العسكرية "دورها كمنبر يؤدي بطريقة قانونية الى خدمة العدالة مع جعلها تحت سلطة القانون". ورأى أن تلك الاصلاحات، مع إصلاحات أخرى ستعمل الادارة عليها مع الكونغرس، هي "السبيل الافضل لحماية بلدنا في موازاة احترام القيم التي نتمسك بها بشدة".
وكان أوباما أمر بعد يومين من تسلمه مهماته في 20 كانون الثاني باقفال معتقل غوانتانامو في مهلة اقصاها سنة، وتعليق عمل المحاكم العسكرية الاستثنائية او "اللجان العسكرية" اربعة اشهر، بعدما كانت إدارة بوش أنشأتها لمحاكمة المشتبه في ارتكابهم اعمالا ارهابية.
وبذلك يبدو ان مستشاري أوباما توصلوا الى انه لا يمكن محاكمة جميع الارهابيين المفترضين امام محاكم مدنية، خصوصا مع بروز قضية الحقوق التي يتمتعون بها. وفي المقابل، ستطلب الادارة الاميركية تمديد تعليق تسع محاكمات لا تزال مستمرة امام المحاكم العسكرية في انتظار ان تبلور قواعد جديدة تنص على ان الاعترافات التي انتزعت بوسائل استجواب "فظيعة وغير انسانية او مهينة، لن تعتبر أدلة بعد اليوم". وأكد أوباما أنه لن يعول على شهادات اصحابها الذين لا يستطيعون، لاسباب مختلفة، المثول امام المحكمة لتأكيدها، ولن يكون الدفاع مضطرا بعد اليوم الى ان يثبت ان هذه الشهادات لا يمكن قبولها. وشدد على ان المتهمين سيتمتعون بحرية اكبر في عملية اختيار وكلائهم. وهو كان اعتبر خلال حملته الانتخابية ان نظام المحاكم العسكرية يشكل "اخفاقا كبيرا"، وكان عارضها حين كان سناتوراً. غير أنه في بيانه امس قال إن "المحاكم العسكرية لها تقليد طويل في الولايات المتحدة" وتشكل المكان "الملائم لمحاكمة الاعداء الذين ينتهكون قوانين الحرب، شرط ان تنشأ وتدار بالشكل الملائم".
"السي آي إي"
وفي إطار الجدل المستمر بين بيلوسي ووكالة الاستخبارات المركزية التي حظيت بدعم الجمهوريين في قضية تنذر بزيادة الانقسام الحزبي في الكونغرس، نفى مدير "السي آي اي" ليون بانيتا ان تكون الوكالة خدعت الكونغرس في موضوع أساليب الاستجواب التي تعتمدها. وقال امام موظفي الوكالة: "ليكن واضحا تماما، ليس من سياستنا او من عاداتنا ان نخدع الكونغرس. هذا الامر يتناقض مع قوانيننا وقيمنا". وأضاف ان موظفي الوكالة حين شرحوا لأعضاء الكونغرس الوسائل المستخدمة لدى الاستخبارات في عمليات استجواب المشتبه في ارتكابهم اعمالا ارهابية، قاموا بذلك "بصدق كامل".
والخميس اتهمت بيلوسي الادارة الاميركية السابقة و"الـسي آي اي" بخداع الكونغرس بين عامي 2002 و2003 بالتلميح الى ان الايهام بالغرق لم يكن مستخدما، وان تقنية الاستجواب هذه هي في كل الاحوال قانونية.
الجزائري بومدين
في غضون ذلك، أفاد مصدر أمني في واشنطن ان الطائرة التي تنقل بومدين (42 سنة) اقلعت من غوانتانامو، وكانت فرنسا اكدت في السادس من ايار انها ستستقبل الرجل وعائلته بموجب اذن اقامة من غير ان يطلب اللجوء السياسي. وهو كان بدأ في كانون الأول 2006 إضراباً عن الطعام، ومذذاك يُطعم مرتين يومياً بواسطة انبوب عبر انفه يدخل الى معدته سائلا بالبروتينات، في عملية أليمة وصفها وكلاؤه الاميركيون بـأنها تعذيب.
وكانت الشرطة البوسنية اعتقلته مع خمسة جزائريين آخرين خريف 2001 للاشتباه في انهم كانوا يدبرون هجوماً على السفارة الاميركية في ساراييفو. وعلى رغم تبرئته السريعة من هذه التهمة، فقد سلم مع الموقوفين الخمسة الى السلطات الاميركية وارسل الى غوانتانامو. وكان الستة من أوائل الموقوفين في المعتقل، فاحتجزوا في اقفاص في الهواء الطلق وخضعوا لجلسات استجواب بوسائل مشددة. وسرعان ما أسقطت التهم عنهم لكنهم ظلوا قيد الاعتقال.
وبعد معركة قضائية استمرت سنوات وصدور قرار يحمل اسمه عن المحكمة العليا الاميركية، برأ قاض فيديرالي اميركي بومدين واربعة من المعتقلين الخمسة الآخرين. ومع ان القاضي محافظ وقد عينه بوش، فإنه انتقد الادارة لضعف العناصر التي استندت اليها ضد بومدين.
(و ص ف، رويترز، أ ب)




















