استدعى الغزو البوتيني الروسي على أوكرانيا، انتقادات عربية مختلفة، غالبا ما تظهر مع كل حدث يشد انتباه الإعلام والعالم. والانتقادات تركزت في «ازدواج المعايير» لدى الغرب، واهتمامه بمسألة أوكرانيا وتعاطفه مع شعبها، وسط تجاهله لقضايا عربية برزت عقب الربيع العربي، في سوريا والعراق وتونس وليبيا، ضحاياها لا يقلون مظلومية عن هؤلاء الذي يعانون من القصف الروسي في كييف ومدن أخرى.
غير أن هذه الانتقادات، تهمل التحولات السياسية، التي تؤثر في تحريك القضايا، وتجعلها أولوية عند العالم، فيغيب أن ما هو في مقدمة الاهتمامات اليوم، أي أوكرانيا، كان قبل فترة جائحة كورونا، وقبلها مسائل أخرى، أي أن القضايا والاهتمامات تتحرك على إيقاع التحولات والتطورات، لا توجد أولوية ثابتة يستيقظ العالم ليفكر فيها كل صباح.
أحجام الدول وتفاوت تأثيرها وموازين القوى وأهواء وسائل الإعلام، تؤثر بالطبع في تصعيد قضية ما، وإهمال أخرى، لكن الحاسم في هذا السياق، المجال الحيوي للقضايا واتساع تداعياتها المحتملة. أوكرانيا على حدود أوروبا، وغزو روسيا لها، لا يمكن أن تظل تداعياته محدودة، كذلك، لا يمكن إهمال طبيعة الأطراف المتصارعة، في قضية ما. الانقسام، في ما يخص أوكرانيا، بين نظام بوتيني ديكتاتوري توسعي، مسكون بأوهام امبراطورية، وبلد يسعى للتحرر من تسلطية جاره ومراكمة تجربة ديمقراطية، بدأت فعلاً عام 2014. هذا التوصيف للانقسام قد يثير اعتراضات شتى، بسبب إهماله، عناصر أخرى، كالحرب على الغاز، والصراع بين الناتو وروسيا، والانقسامات داخل أوكرانيا نفسها. مع ذلك، فالعناصر تلك، لا تقلل من طبيعة الانقسام، بقدر ما تندرج في سياقه، وتقرأ على أساسه. ما يهم في مسألة طبيعة أطراف الصراع، بمعزل عن تقديرات التوصيف، تأثيرها في جاذبية قضية ما وانشغال العالم بها، العالم يتعاطف مع أوكرانيا، كونها تدافع عن ديمقراطيتها، ضد نظام مجاور لا يتوانى عن التلويح بالسلاح النووي. بمعنى أن الطرفين، يشدان انتباه العالم، أحدهما بشكل إيجابي، وآخر بشكل سلبي.
هوية أطراف الصراع في أوكرانيا واضحة، وللبلد موقع حيوي بالنسبة لأوروبا الخائفة من التوغل البوتيني، ما يفسر اهتمام العالم بها
المفارقة أن الأوكرانيين الذين رأى الكثير من العرب أنهم يحظون باهتمام كبير، يلومون العالم لتقصيره معهم. أول من أمس، قرّعت ناشطة أوكرانية، رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، لتقصيره في إنقاذ عائلات تموت تحت القصف. رد جونسون كان واضحاً «نحن لا نستطيع مساعدتهم». شعور الأوكرانيين بالمظلومية، على الرغم من أن بعض العرب، يحسدهم على تصدر مظلوميتهم أولويات الدول، يمكن فهمه باعتبار الشروط التي جعلت الدول تهتم بأوكرانيا، هي ذاتها جعلت، هذه الدول تتصرف بما أتيح لها من قدرات، تمثلت بعقوبات، وبتسليح، وفتح الأبواب لاستقبال اللاجئين، أي عقلانية الموازنة بين حقوق الشعوب والمصالح وتوازنات القوى في العالم.
الأوكرانيون يريدون تدخلا غربيا في بلدهم، يطرد جيش بوتين، ويضمن لهم استقلالهم وحريتهم، لأن مظلوميتهم فائضة بفعل التوحش الروسي، ويصعب إدراجها في أي سياق عقلاني يتعلق بشروط اهتمام الغرب، وبمحدودية تحركه لأجلهم. هذه إشكالية أخلاقية تفرّخ أسئلة متضاربة، كيف يمكن أن نطلب من مدني يموت تحت القصف، أن يضبط حقوقه بتوازنات الدول وحساباتها؟ في المقابل، في حال تُركت هذه الحقوق كمشاع خارج أي حساب أو توازن دولي، كيف يمكن أن تحقق مكاسب؟ قد يكون من أسهل الطرق للهروب من هذا التعقيد، الحديث العربي عن «ازدواجية المعايير» وجعل قضية يشكو أهلها من تقصير العالم، معياراً للوم الغرب على تقصيره في قضايانا. هذا التوجيه يهمل ضعف البعد الحيوي لقضايانا، التي حظيت في فترة ما بدعم غربي، قبل أن تطرأ تحولات جعلت الأولوية لمسألتي الإرهاب واللاجئين. صحيح أن قضية الحرية طرحت، قبل أكثر من عشر سنوات، في الميادين العربية، لكن الانقسامات العمودية في مجتمعاتنا، ونشاط الثورات المضادة، جعلتنا في مكان آخر مختلف عن الأوكرانيين، الذين يدافعون عن ديمقراطية ناشئة ممأسسة مشدودة نحو أوروبا، ما يجعلها مختلفة حتى عن الديمقراطية الوحيدة التي برزت عندنا بعد «الربيع العربي» فالديمقراطية التونسية وفّر ضعفها التكويني، فرصة ذهبية للشعبوي قيس سعيد، للانقضاض عليها.
لو طلبنا من الغرب أن يضع كل اهتمامه مثلاً بالقضية الليبية، بدل القضية الأوكرانية، مع أي طرف سنطلب منه أن ينحاز وأطراف الصراع يتداخل في تركيبتها العصبي بالسياسي، والمحلي بالإقليمي. بديهي، أن هوية أطراف الصراع أوضح في أوكرانيا، وللبلد موقع حيوي بالنسبة لأوروبا الخائفة من التوغل البوتيني، ما يفسر اهتمام العالم، مع العلم أن هذا الاهتمام، ليس بالضرورة، سينعكس إيجابياً لصالح الشعب الأوكراني، في ظل عالم متداخل، تحظى فيه قوى مثل الصين وروسيا وإيران بقدرة على التأثير، وسط تراخ غربي، قد يكون، التشابك الاقتصادي في العالم وامتلاك أسلحة الردع، من أسبابه.
كاتب سوري
“القدس العربي”


























