في مرحلة انتقالية مضطربة، لا تزال فيها ملامح الدولة القانونية تتشكّل على وقع غياب برلمان منتخب يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية حقيقية، يبرز التعميم الأخير الصادر عن وزير العدل بفرض “الموطن الإلكتروني” كخطوة تثير الكثير من الأسئلة. فبدلاً من أن يكون التعميم مجرد توجيه إداري يسهّل إجراءات التقاضي، تحوّل إلى تعديل فعلي لنظام التبليغ، وإلى إنشاء التزام جديد لم يرد في أي نص قانوني، الأمر الذي يعيد طرح السؤال الجوهري: هل يملك الوزير، أو حتى الهيئة العامة لمحكمة النقض، سلطة فرض التزامات إجرائية لم يقرّها المشرّع؟
منذ البداية، بدا واضحاً أن التعميم تجاوز حدود وظيفته الطبيعية. فالمادة 34/ب من قانون أصول المحاكمات لم تقل سوى عبارة واحدة بسيطة: “يجوز تأكيد التبليغ بالوسائل الإلكترونية”. هذه العبارة، بكل وضوحها وبساطتها، تتحدث عن تأكيد التبليغ، لا عن إنشاء تبليغ إلكتروني، ولا عن إلزام الخصوم باتخاذ موطن إلكتروني، ولا عن ترتيب آثار إجرائية على عدم وجوده. ومع ذلك، جاء التعميم ليحوّل الجواز إلى إلزام، والوسيلة التكميلية إلى نظام تبليغ كامل، والاختيار إلى واجب، والوسيلة إلى شرط من شروط صحة الخصومة.
إن القياس، الذي اعتمد عليه الاجتهاد، ليس أداة مطلقة في القانون الإجرائي. فالفقه مستقر على أن قواعد الإجراءات تُفسَّر تفسيراً ضيقاً لأنها تمسّ ضمانات الدفاع وحق التقاضي.
هذا التحوّل لا يمكن وصفه بأنه “تفسير”، بل هو إنشاء تشريعي صريح. والتشريع، كما يعرف الجميع، ليس من اختصاص الوزير ولا من اختصاص القضاء، بل من اختصاص السلطة التشريعية وحدها. وحتى في الظروف الانتقالية، لا يجوز لأي سلطة أن تتجاوز حدودها بحجة “الضرورة” أو “تسريع العدالة”، لأن مبدأ الشرعية الإجرائية لا يحتمل التأويل الواسع، ولا يسمح بخلق التزامات جديدة تمسّ حق التقاضي دون نص صريح.
قد يقول البعض إن التعميم يستند إلى اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض، وإن هذا الاجتهاد قد فسّر النصوص تفسيراً واسعاً، وربط بين المادة 22 التي تجعل التبليغ بالذات أصلاً، وبين المادة 34/ب التي تعترف بالوسائل الإلكترونية. وقد ذهب هذا الاجتهاد إلى أن التبليغ الإلكتروني قد يحقق “العلم الشخصي” بدرجة تفوق الوسائل التقليدية كاللصق والنشر، وأن القضاء لا يمكن أن يقف متفرجاً أمام دعاوى تستغرق عشرين عاماً بسبب إجراءات التبليغ.
هذا الكلام يبدو منسجماً وصحيحاً للوهلة الأولى، لكنه يطرح إشكالاً جوهرياً: هل يملك القضاء سلطة إنشاء التزامات جديدة بحجة سدّ النقص التشريعي؟ الجواب ببساطة: لا.
فحتى التفسير الواسع يبقى كشفاً لمعنى كامن في النص، لا إنشاءً لالتزام جديد. القضاء يفسّر، لكنه لا يشرّع. يكمّل ما اقتُضب، لكنه لا يضيف ما لم يرد. يستنبط ما سكت عنه النص، لكنه لا يخلق حكماً لم يشر إليه المشرّع، لا تصريحاً ولا تلميحاً. وإلزام الخصوم باتخاذ موطن إلكتروني هو التزام جديد، لا يمكن استخلاصه من المادة 34/ب، ولا من المادة 22، ولا من أي نص آخر في قانون الأصول.
ثم إن القياس، الذي اعتمد عليه الاجتهاد، ليس أداة مطلقة في القانون الإجرائي. فالفقه مستقر على أن قواعد الإجراءات تُفسَّر تفسيراً ضيقاً لأنها تمسّ ضمانات الدفاع وحق التقاضي. ولا يجوز التوسع فيها بالقياس إذا أدى ذلك إلى انتقاص ضمانة إجرائية أو إلى خلق التزام جديد. وإلزام الموطن الإلكتروني يمسّ جوهر الحق في التقاضي، لأنه يرتّب آثاراً خطيرة على عدم الامتثال، منها اعتبار التبليغ الإلكتروني منتجاً لآثاره، وسقوط المهل، وإمكان الحكم الغيابي، وكلها آثار لا يجوز ترتيبها إلا بقانون.
وهنا تبرز نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون، وهي أن قطاعاً واسعاً من الناس لا يعرف أصلاً كيف يتعامل مع الإنترنت أو الهاتف الذكي. نحن لا نتحدث عن رفاهية تقنية، بل عن واقع اجتماعي ملموس: كبار السن، سكان الأرياف، ذوو الدخل المحدود، الأميون رقمياً، من لا يملكون هواتف ذكية، من لا يملكون بريداً إلكترونياً، من لا يعرفون إنشاء كلمة سر أو استرجاعها، ومن يعيشون في مناطق بلا كهرباء أو بلا شبكة إنترنت. هؤلاء جميعاً يشكّلون نسبة كبيرة من المجتمع، ولا يمكن تجاهلهم عند صياغة أي إجراء يمسّ حق التقاضي.
إن إلزام هؤلاء باتخاذ “موطن إلكتروني” يشكّل عائقاً فعلياً يحرمهم من الوصول إلى العدالة. فكيف يمكن اعتبار شخص “مبلّغاً حكماً” لأنه لم يفتح بريده الإلكتروني، بينما هو لا يعرف أصلاً كيف ينشئ بريداً إلكترونياً؟ وكيف يمكن تحميله مسؤولية انقطاع الشبكة، أو عدم امتلاكه هاتفاً ذكياً، أو جهله باستخدام التطبيقات؟ هذا ليس تنظيماً إجرائياً، بل تمييز غير مباشر ضد فئات واسعة من المجتمع، ويؤدي عملياً إلى حرمانهم من حق الدفاع، وإلى سقوط المهل عليهم دون علم.
التطور يكون حين نبني القواعد الجديدة على حوار مجتمعي، وعلى تشريع واضح، وعلى بنية تقنية متينة، وعلى مراعاة الفجوة الرقمية، وعلى احترام حق الجميع، لا بعضهم، في الوصول إلى العدالة.
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا كل هذه العجلة؟
إن إقرار قاعدة إجرائية بهذا الحجم يحتاج إلى استقرار تشريعي وبيئة تقنية واجتماعية سليمة، لا إلى تعميم يصدر على عجل. فكيف يمكن فرض نظام تبليغ إلكتروني بينما مئات الآلاف يعيشون في الخيام، وآخرون بلا كهرباء، وآخرون بلا شبكة، وآخرون بلا أي معرفة رقمية؟
ولماذا لا ننتظر انعقاد مجلس الشعب لمناقشة هذا الموضوع كما يجب، عبر نقاش مستفيض يراعي ظروف البلاد والناس؟
نحن لسنا ضد التطور، بل على العكس تماماً. لكن التطور الحقيقي لا يكون بقرارات فوقية، ولا بفرض التزامات لا تراعي الواقع، ولا بتجاوز النصوص، ولا بإغفال ظروف الناس.
التطور يكون حين نبني القواعد الجديدة على حوار مجتمعي، وعلى تشريع واضح، وعلى بنية تقنية متينة، وعلى مراعاة الفجوة الرقمية، وعلى احترام حق الجميع، لا بعضهم، في الوصول إلى العدالة.
باختصار، يتجاوز التعميم النص القانوني والاجتهاد، كما يتجاوز حدود السلطة والواقع. وإذا كان الهدف هو تحديث القضاء وتسريع العدالة، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ من تشريع واضح يصدر عن سلطة تشريعية شرعية، لا من تعميم إداري ولا من اجتهاد قضائي. فالتحديث لا يكون بتجاوز القانون، بل باحترامه. والغاية المشروعة لا تُبرّر الوسيلة غير المشروعة. وإذا كان هذا المبدأ ينطبق على الأفراد، فمن باب أولى أن ينطبق على الدولة، التي يُفترض أن تكون المثال الأعلى في احترام القانون والحوكمة.
- تلفزيون سوريا
























