لسنوات مضت، كان التنافس بين روسيا وإيران على أشُده في سورية، وسط محاولات تقوم بها استخبارات كِلا الطرفين، لجمع المعلومات عن الطرف الآخر، عَبْر اختراق المواقع الأمنية والقواعد العملياتية ومواطن صنع وإدارة القرار في سورية.
ووصل ذلك التنافس إلى درجة عالية من الحدة، وشمل المجالات الاقتصادية والثقافية، إضافة إلى النفوذ والاستحواذ على غنائم التدخل لدعم الأسد، وقد بدَا ذلك الصراع جلياً من خلال الاشتباكات التي تندلع بين الحين والآخر بين قوات النظام المحسوبة على روسيا وإيران، وتحديداً “الفرقة الرابعة” و”الفيلق الخامس”.
تصفية الحسابات تبدأ من ضباط النظام
حصل فريق الرصد في “نداء بوست”، على معلومات تشير إلى قيام مجموعتين من الاستخبارات الإيرانية بمؤازرة من “الحرس الثوري”، بمداهمة منزل العميد الطيار عبد القادر تركماني الواقع بحي “الحمدانية” في حلب، فجر الثاني والعشرين من شباط/ فبراير الماضي.
واعتقلت الاستخبارات الإيرانية الضابط المذكور بتهمة التجسس ونقل كافة المعلومات والتحركات الإيرانية لصالح الاستخبارات الروسية.
وبحسب مصادر “نداء بوست” فقد تم نقل العميد تركماني إلى القاعدة الإيرانية بجبل عزان بريف حلب الجنوبي للتحقيق معه، ويتبع تركماني مرتبات مطار النيرب العسكري.
وبناءً على التحقيقات والملفات التي تم فتحها مع تركماني، قامت الاستخبارات الإيرانية بعد يومين من اعتقاله بعملية دهم واعتقال طالت 7 منازل بعدة أحياء في حلب، وتعود تلك المنازل لضباط تابعين لمرتبات مطار النيرب وكتيبة الدفاع الجوي المحيطة بالمطار، وتم اعتقال سبعة ضباط وردت أسماؤهم أثناء التحقيق مع التركماني.
واتهمت الاستخبارات الإيرانية أولئك الضباط بالتجسس على الحرس الثوري لصالح الاستخبارات الروسية ونقل كل المعلومات التي ترتبط بتحركات القادة الإيرانيين، وبحسب المعلومات فقد تم نقلهم إلى قاعدة عزان لاستكمال التحقيقات معهم.
وعُرف من الضباط الذين تم اعتقالهم، العقيد إبراهيم ضبعان، والعقيد حازم السخي، والمقدم عباس حسنة.
وأشارت مصادر “نداء بوست” إلى أن الاستخبارات الإيرانية قامت بداية أيار/ مايو2021 باغتيال العميد الركن رجب علي حبيب قائد مطار النيرب العسكري لتورُّطه بالتجسس على قياديين بالحرس الثوري وضباط النظام السوري لصالح الاستخبارات الروسية التي بدأت وضع إستراتيجية تهدف إلى الحد من الهيمنة الإيرانية على مطار النيرب واستبعاد الضباط الموالين لإيران من المطار.
مساعٍ روسية لقطع الطريق على إيران
يقول مصدر خاص لـ”نداء بوست”: إن قيادة القوات الروسية في سورية بدأت منذ مطلع عام 2022 برنامج تجنيد ضِمن الميليشيات الرديفة لها بشكل مباشر.
ووفقاً للمصدر فإن تجنيد السوريين ضِمن ميليشيات تابعة لروسيا سيكون في إدلب وحماة، لكن الاهتمام الأكبر سيكون بالتجنيد في حلب والتي من المقرر -بحسب المصدر- أن تكون جزءاً من خطة روسيا لتوجيه رجال أعمال وصناعيين تابعين للجنة التنسيق الروسية في سورية بنقل أعمالهم إلى المنطقة الصناعية في حلب خلال النصف الأول من 2022، مع الحماية الروسية الكاملة.
وستعمل القوات الروسية على تدريب الميليشيات الجديدة وتوسيع صلاحياتها الأمنية في حلب، وبحسب المصدر فإن التدريب سيجري في معسكرين، الأول في منطقة الشقيف والآخر في حقل الرمي التابع لمدرسة المشاة.
وسيكون في معسكر مدرسة الرمي تدريب على استخدام وقيادة الطيران المسيَّر، إضافة إلى أن المعسكريْنِ سيتابعان تأهيل الكوادر وتدريبها الميداني بإشراف روسي مباشر وبتنفيذ كوادر ومدربين من قوات “فاغنر” ومن لواء القدس.
وستتراوح رواتب المجندين الشهرية بين 75 و120 دولاراً أمريكياً تقوم القوات الروسية بدفعها لهم بشكل مباشر لكن بالعملة المحلية (الليرة السورية) وبالقيمة التي تتناسب مع سعر الصرف، كما سيتم إعفاء المنتسبين لهذه الميليشيات الروسية من الخدمة الإلزامية ضِمن قوات النظام السوري.
حلب هدف إستراتيجي لروسيا وإيران
يقول المحلل العسكري العقيد مصطفى فرزات: إن مدينة حلب تكتسب أهمية إستراتيجية كبيرة، كونها صلة وصل بين العالمين الشرقي والغربي، فهي قريبة من الحدود التركية وليست بعيدة عن العراق، فضلاً عن كونها ظلت لعهود سابقة مركزاً سياسياً ودينياً وحيوياً مهماً.
وأشار فرزات في حديثه لموقع “نداء بوست” إلى أن تجنيد روسيا للمرتزقة ونشرهم في حلب، يعود بالدرجة الأولى إلى رغبتها بحماية مصالحها من التمدد الإيراني، فكما هو معلوم تنشر طهران عدة ميليشيات في مدينة حلب، كالحرس الثوري ولواء الباقر وغيرها.
وتُولي روسيا أهمية خاصة لمدينة حلب كونها العاصمة الاقتصادية لسورية، وهي تسعى لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد بالنسبة للنظام الذي شهد على مدى السنوات الماضية انهياراً كبيراً وغيرَ مسبوقٍ، أملاً منها في تخفيف الأزمات الداخلية التي يعاني منها.
وبالرغم من أن كِلا الطرفين روسيا وإيران متفقتان على دعم النظام السوري والحفاظ عليه ومنعه من السقوط، إلا أنهما تختلفان في المصالح الإستراتيجية، فإيران تريد بناء قاعدة شعبية لها في سورية وتقوية وجودها السياسي والجغرافي في سورية.
ومنذ إعلان سيطرة النظام على مدينة حلب قبل عدة أعوام، شرعت إيران بنشر المذهب الشيعي بين أبناء المدينة، مستغلة حالة الفقر وتردِّي الأوضاع المعيشية، كما قامت ببناء الحسينيات، وبالطبع أطلقت حملات التجنيد.
التوسع الإيراني بهذا الشكل لا يخدم روسيا ولا خططها في سورية، ففضلاً عن انحسار نفوذها لصالح إيران، فإن سيطرة الميليشيات الإيرانية على حلب سيعرقل بل سيحول دون دخول المستثمرين الأجانب والعرب وتحديداً الإماراتيين إلى سوق الاستثمار السورية، وهذا ما لا تريده موسكو.
ومن وجهة نظر فرزات فإن روسيا تعمل على تجنيد الشبان لحماية مصالحها وحماية المنشآت الصناعية وقطع الطريق أمام إيران، بأقل التكاليف، وسبق أن رأينا شيئاً مُشابِهاً في حقل الشاعر ومحطة T3 في ريف حمص الشرقي.
جدير بالذكر أن القوات الروسية كلفت في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021 العقيد أنتون بوبلافيسكي بإدارة ملف حلب، وبحسب مصدر “نداء بوست” فإن العقيد بوبلافيسكي عقد في اليوم التالي من تكليفه اجتماعاً مع عبد الرزاق شحادة قائد عمليات لواء القدس في حلب، للانتقال مباشرة إلى تنفيذ عمليات التجنيد والتدريب للمجندين الجدد.
“نداء بوست”


























