قبل سنتين ونيف كانت الأخبار تفيد بأن دولة خليجية تفاوض الأسد على إعادة تدويره، وتعرض عليه مبلغ 4 مليارات دولار فقط، لقاء التخلّي عن تجارة الكبتاغون. أغلب الظن أن الأسد كان يراوغ آنذاك للحصول على مبلغ أعلى، وفي نيّته أخذُ المبلغ مع النكث بوعد إيقاف تلك التجارة، وبالطبع مع النكث بالعديد من الوعود التي كان سيقطعها لقاء بقائه بموافقة إقليمية ودولية.
منطقياً، كان يُفترض بإسقاط الأسد، وباتخاذ إجراءات تحدّ من تلك التجارة، أن يدفعا بتلك المليارات إلى دمشق. إلا أن ذلك لم يحدث، والأرقام المعلنة للمساعدات هي أدنى من الرقم المذكور، ومخصصة للنفقات الحكومية، لا للإنفاق الاستثماري. وكما هو معلوم نالت السلطة الجديدة مباركة إقليمية ودولية واسعة، لكن الفجوة بقيت هائلة بين المباركة الدبلوماسية وتقديم الدعم المالي ومختلف أنواع المساعدات الأخرى. هنا سؤال يجب التوقف عنده، عن الفرق بين “سوريا الجديدة السعيدة” في المحافل الدولية و”سوريا البائسة” التي لا تُداوى بالمجاملات.
لن نكتشف الذرّة ثانية بالتذكير بالتقارير الأممية التي كانت تشير في نهاية عهد الأسد إلى حاجة سوريا إلى قرابة 500 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار، وتلك التي أشارت إلى هبوط قرابة 93% من السوريين دون خط الفقر، مع تجاوز نسبة كبيرة منهم خط المجاعة. تحت هذه الأرقام يوجد عدد مهول من التفاصيل البائسة، في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية، ومن المرجَّح أن السلطة ذاتها (بوصفها الأقدر على الوصول إلى المعلومات) لا إحاطة كافية لديها بكل ذلك البؤس.
نظرياً، وعلى سبيل حسن النية، يُفترض ببلد خارج من حرب داخلية مدمِّرة أن يبدأ أبناؤه فوراً بإحصاء الخسائر، من أجل البدء بمعالجة ما أمكن منها. ويُفترض، على سبيل حسن النية نفسه، البدء بمراجعة عامة (ليست منسَّقة بالضرورة) لاستكشاف السياسات والنظام السياسي اللذين أوصلا البلد إلى الحرب المشؤومة، بهدف عدم تكرار الماضي. على نحو أكثر تخصيصاً، يُفترض بأية سلطة انتقالية أن تشجّع على الواقعية، والمزيد منها، للاستفادة من عبَر الماضي الأليم، وللانتقال إلى مستقبل مغاير.
خلال سنة ونصف يمكن إجمال تصريحات المسؤولين بأنها تنتمي إلى “سوريا السعيدة”، ففيها مثلاً تصريح المسؤول المختصّ عن وفرٍ في ميزانية العام الماضي، وعلى نحو يوحي بوفرة الإيرادات، في حين تقول سوريا البائسة إن الوفر هو على حساب عشرات آلاف النفقات المطلوبة التي لم تُلبَّ. صدرت تصريحات على أعلى المستويات مفادها قدرة السوريين الذاتية على النهوض ببلدهم، وعدم حاجتهم إلى مساعدة الخارج. والمشكلة أن يصدِّق الخارج هذا الكلام، ويكذِّب التقارير التي لديه، فيُقلِع عن أدنى نية للمساعدة. وما لا يقل سوءاً ألا يصدّق تلك التصريحات، فيُقلع المساعدة لعدم ثقته بأصحابها.
سوريا-التصريحات السعيدة تستطيع بإنتاجها الزراعي إطعامَ عشرة بلدان بمثل حجمها، بينما في سوريا البائسة يتسبب فيها الفيضان بكارثة للمحاصيل على جانبي الفرات، بعدما تسبب القحط بالكوارث لسنوات. تفرض سوريا البائسة نفسها فقط في مناسبات مماثلة، منها الأحوال المزرية للمخيمات في الشتاء الفائت. ولا يغيب التقسيم المناطقي المعتاد، فسوريا السعيدة هي عادة ابنة المركز، وأبناؤها لا يعرفون ما يجب معرفته عن الأحوال خارج مركزهم، ولا يريدون أصلاً أن يعرفوا ما قد ينغّص هناءتهم، أو ينقض فكرة المركز الذي يستأثر بالسطوة والثروة.
وبالرغم من البؤس الشديد الطاغي، من المؤكد أن نسبة لا يُستهان بها من البؤساء كانت ولا تزال سعيدة بإسقاط الأسد. وهؤلاء البؤساء لم ينتظروا حلاً سحرياً لمعاناتهم بمجرد سقوطه، ولا ينتظرونه الآن. إلا أن الحديث عن سوريا السعيدة يوجّه إهانة بالغة إلى بؤسهم، لما فيه من تجاهل صفيق لذلك البؤس. أما تصديق “سوريا السعيدة” فسيجبرهم على مقارنتها بأحوالهم، والشعور بالغبن المستجد لأن غيرهم قطف ثمار التغيير، وأبقى عليهم حيث كانوا. المقارنة لا تقتصر فقط على الهوّة بين البؤس والمظاهر التي تحيط بحديثي سلطة ونعمة، بل تنقض المعنى الواسع والمستدام للتغيير.
صار معتاداً، في مواجهة أي نقد، التنويه بحرية الرأي بعد سقوط الأسد. بل صار معتاداً مطالبة الناقدين بتقديم برامج بديلة، رغم أن السلطة نفسها لم تقدّم حتى الآن برنامجاً حقيقياً، يلامس الواقع بموجب ما لديها من معلومات، ويوضّح ما ستفعله في اتجاه حل المشاكل. وإذا صحّ الكلام عن حرية الرأي فهذه الحرية لا تُترجم بالسياسة، فالسياسة ليست ثرثرة في السياسة، إنها مواجهة أسئلة الواقع بهدف طرحها على نحو أفضل، ومن ثم التفكير في إجابات عنها. وبهذا المعنى، السلطة لا تمارس حتى الآن السياسة، ولا تشجّع على ممارستها، وهي (مرةً أخرى) الجهة المعنية أكثر بحكم موقعها، والتي بحكم الموقع نفسه لديها مصادر أفضل للمعلومات.
في غضون تغييب السياسة، صار مطلوباً من سوريا البائسة أن تعبّر عن سعادتها، لأن التعبير عن البؤس قد يثير شبهة الحنين إلى ما سبق، أو شبهة انتقاد السلطة. هكذا صار التذكير بإجرام العهد السابق كأنه مفتاح السعادة، ومفتاح الكفاية بالنسبة للفقراء الذين هم السواد الأعظم من السوريين. بصياغة أخرى، تظهر فداحة المفارقة عندما يُطلب من سوريا البائسة التعبير عن سعادتها، بدل الشروع في مواجهة البؤس، ويظهر أبناء سوريا السعيدة على أنهم مخلّصون لا تجوز مطالبتهم بأكثر مما اجترحوا!
إذا توخّينا العقلانية، الاعتراف بالواقع يُفترض ألا يؤذي السلطة التي ورثت حجماً مهولاً من الكوارث، خصوصاً إذا انعقدت النية على الشروع بمعالجتها التي يلزمها وعي عام مشترك، ثم خطوات عملية في طريق طويل وعر، يتطلب حكمة من جهة وصبراً من جهة أخرى. هذا ما لا يحدث، ولا نستطيع أن نعزو إلى المصادفة أن عدم الشروع في ذلك يترافق مع اختلاق أزمات في ميادين أخرى، أو التضخيم من مشاكل وأزمات موجودة لكنها غير ملحّة على السوية ذاتها.
بصرف النظر عمّن يكون تحديداً وراء هذه الموجات، فإن انتعاش الكلام الطائفي ورواج تعبيراته المُسفّة، لا يمكن فصله عن وجود أزمات عميقة من نوع آخر، لا تلقى الاهتمام المناسب. الهوة بين سوريا البائسة وسوريا السعيدة ليست في سبيلها لتُردَم، والانصراف عن المشاكل الواقعية المشتركة إلى تضخيم مشاكل أخرى لا يعني سوى خلق أزمات جديدة فوق الأولى، تصعّب من معالجتها، بل تمنع مواجهتها حتى إشعار آخر لا يحين موعده.
لقد اختبر السوريون خلال عقود الكلام في الكثير من القضايا، باستثناء مشاكلهم وواقعهم، وأدّى ذلك إلى تفاقم الأزمات في العتم، حتى انفجارها الكبير. سيكون كارثياً تكرارُ النهج السابق، وسيبتذل كل الأثمان التي دُفعت للخلاص منه. والواقع أن هذه الأثمان أول ما يُهان، فإذا كان تسليط الضوء عليها من قبل له دوافع نبيلة فإن المتاجرة بها اليوم مهينة في كل تفاصيلها؛ إنه الانتقال من نبل الدفاع عن المظلومين إلى كيتش المظلومية.
- المدن






















