الخصومة العقيمة، والرغبة في شيطنة الآخر المختلف حلّاً مريحاً، وتجمّد العقل عند معتقدات وأفكار تغذّى عليها سنوات، من أبرز أسباب التراجع الحضاري، سواء في المجتمعات أو لدى الأفراد. من السهل، والأبسط للاستيعاب، أن نقول إنّ العلويين هم من قتلوا السوريين، لأنّ الأصعب فهم الواقع المعقَّد. هي اضطرابات تطفو في السطح عند كلّ حدث جديد ينبش في ذاكرة الألم السوري، وعند كلّ انعطافة في مسار سورية الجديدة.
في سياق التحوّلات الكُبرى، يتحوّل هذا التبسيط من مجرّد سلوك مريح آنيّ إلى أداة لإنتاج التجهيل الممنهج والوعي الزائف، وثغرة تستغلّها مصالحُ عديدةٌ، فالعقل يميل بطبيعته إلى التفسيرات البسيطة للأحداث المركّبة، لأنّها أقلّ كلفةً من الفهم والتحليل والمراجعة.
في الحالة السورية، من المريح لبعضهم تداول رواية اختزالية، إنّ “العلويين قتلوا السوريين”، وإنّ “الأقلّيات كينونة معادية”، وتحميل جماعة بعينها مسؤولية مأساة امتدّت عقوداً، أو حتّى بمقاربة عكسية لدى بعض الأقلّيات، بإسقاط مخاوف معلّبة جاهزة قد يكون منبعها عقلية البقاء وغريزتها، تغذّيها آليات نفسية دفاعية لمكوّن يعتبر نفسه أضعف لأنّه أقلّ عدداً. هذه السرديات المبسَّطة المتبادلة، على الرغم من قدرتها العالية على الحشد والاستهلاك العاطفي الفوري، تعجز عن تفسير ميكانيزمات السلطة، ووجود عناصر واقعية جزئية داخل السردية لا يجعلها تفسيراً كاملاً للواقع، فالدول والأنظمة لا تحكمها الطوائف منفردةً، ولا تُسيّرها الهُويّات المعزولة، بل تحكمها شبكات مصالح براغماتية صلبة، وتحالفات نفعية عابرة للمكوّنات تتجاوز حدود هذا التبسيط والاختزال. فتفكيك البنية الحقيقية لحوامل النظام السوري السابق، والمستفيدة من بقائه، يتطلّب منهجيةً فكريةً للنظر في ديناميكيات شديدة التعقيد. من ذلك مثلاً براغماتية رأس المال السوري، وفهم سلوك البرجوازية التقليدية والنُّخب الاقتصادية في دمشق وحلب، وكيف تتقاطع مصالح رأس المال تاريخياً مع السلطة السياسية، حيث فضّلت قطاعات وازنة من هذه الفئة الاستقرار وحماية ثرواتها على التغيير، مهما كانت كلفته الأخلاقية. فلم يكن النظام مشروع طائفة واحدة، بل بنية سلطة مركّبة من شبكات الفساد، والمؤسّسات الأمنية المخترِقة للمجتمع، والنُّخب الاجتماعية، والهياكل العشائرية وتموضعاتها السياسية، ناهيك عن التوازنات الإقليمية والدولية. حين نختزل هذا الركام المعقَّد كلّه في جماعة واحدة، فإنّنا لا نظلم الحقيقة فحسب، بل نمنع فهمها، ونمارس شكلاً من أشكال الانتحار المعرفي، وبالتالي، نحرم أنفسنا من فرصة فهم الواقع لمعالجته والتعاطي معه.
التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، بل في منعطفات حادّة لا نراها دائماً من موقعنا المحدود
لا يقتصر هذا الميل إلى التبسيط على تحميل المسؤولية عمّا سبق، بل يمتد إلى تفسير النتائج ومسارات التغيير أخيراً (مثل عملية ردع العدوان). فكما حاول بعضهم اختزال أسباب المأساة في طائفة، وآخرون اختزلوها في فوبيا الأيديولوجيا، يحاول آخرون اليوم اختزال مسار التغيير نفسه أو إنكار تراكماته الكُبرى، وعزوها إلى مؤامرةٍ ما، أو حتّى إلى نكران أهمّية الفعل بحدّ ذاته في سياق الفعل الثوري التراكمي. ولكن ما حدث لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة 14 عاماً من المراكمة بفواعل عديدة، وتحوّلات محلّية وإقليمية ودولية. عشرات المتغيّرات تفاعلت وتراكمت لتصنع لحظة التحوّل في “8 ديسمبر” (2024). ذلك كلّه غيّر، على مدى سنواتٍ، كيمياء المجتمع وتفاعلاته، بالإضافة إلى تآكل البنية الداخلية للنظام اقتصادياً وعسكرياً بعد سنوات من الاستنزاف، وانكفاء القوى الإقليمية والدولية الحامية، وتحوّلات مراكز القوى في الشرق الأوسط (مثل انشغال حلفاء النظام بملفّات وجودية أخرى، كروسيا في أوكرانيا، وتحوّلات التموضع الإيراني).
تحطّم آمال بعضهم بشأن ما انتهى إليه الحال، وطبيعة مَن تصدَّر المشهد واستأثر بختامه، دفع بعضهم إلى العودة بعقولهم إلى نقطة الصفر. إنّها صدمة منشؤها الفجوة بين الصورة المتخيَّلة للخاتمة وواقع الأرض بالديناميكيات التي تحكمه، فاختلّ لديهم ميزان الحكم الفكري، وكان التبسيط والاختزال ملاذاً سهلاً.
ليست الحياة معادلةً حسابيةً بسيطةً، لكنّها تصبح أكثر قابليةً للفهم كلّما نظرنا إليها من زوايا متعدّدة. فالمقدّمات المعقَّدة تنتج غالباً نتائج معقَّدة، والتاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، بل في منعطفات حادّة لا نراها دائماً من موقعنا المحدود. أخطر ما يواجه السوريين اليوم ليس اختلافهم في تفسير الماضي ومآلات الحاضر، بل إصرارهم على تفسيره بأدواتٍ لا تكفي لفهمه. فحين تتحوّل السرديات الاختزالية إلى بديل من الفهم، يصبح الماضي سجناً، وتصبح العبرة منه مستحيلةً. وربّما تكون معركة سورية المقبلة، قبل أن تكون معركةَ سياسةٍ أو معركةَ سلطةٍ، معركةَ وعي؛ وعي قادر على رؤية البشر والمصالح والمؤسّسات والتاريخ كما هي عليه، لا كما تقتضي حاجتنا النفسية إلى تفسير مريح أو عدوّ جاهز. فالمستقبل لا يُبنى باليقينيات المغلقة، بل بالشجاعة الفكرية اللازمة لفهم التعقيد.
- العربي الجديد





















