النهار
الشعوب تحيا من ذاكرة تاريخها الجماعي. كل اجتزاء او بتر مصطنع للتاريخ يشير الى اغتيال للوطن لغايات في نفوس أكثر من يعقوب. وذاكرة اللبنانيين الجماعية مشحونة إرهاباً وتخويفاً، وتحريضاً وتخويناً، وتشويهاً للحقائق وتزلماً، وخروجاً عن مألوف المكون الميثاقي للبنان، حيث المحور حياد عن التشريق والتغريب وانتماء لحضارة مؤنسنة في مركّبها التعددي، وريادة في استنهاض همم الحرية والديموقراطية والعدالة، وتثمير لروحية الاعتدال والعيش معاً، واستنفار لمقدرات الحكم بتوجّه مساندة خيار الدولة القديرة، بمنأى عن غرائزية الاستقطابات الطائفية الضيقة.
لكن ذاكرة اللبنانيين مترعة ايضاً بإنجازات تجاوز إصرارات النحر المتمادية من العدو والصديق على حد سواء، وظلم القربى أشد مضاضة، وهي إنجازات تحكي رؤية انتفاضية مذهلة يريد من خلالها اللبنانيون التأكيد على أنهم قادرون على التعامل مع مقتضيات الجغرافيا التي تحيطهم بحنكة وحزم في الآن عينه. فالعدو اسرائيل بما هي مركّب يناقض تركيبة لبنان بثيوقراطيتها الاحادية العنصرية، والصديق احتضان عربي لخصوصية وطن يحمل راية الاحرار، مع التأكيد على أن الثابت الاول والاخير في أي مواجهة مع العدو، وأي تلاق مع كل صديق، يتبدّى ودون أي التباس أو تمويه، سيادة واستقلال وحرية وديموقراطية لبنان النواجز.
من هنا تكتسب خيارات ناخبي كل لبنان، بُعداً تأسيسياً في حماية هذه الثوابت ما يقتضي تفصيلاً مقتضباً في معاني لبنان الشرعيات الضامنة، عنيت الشرعية الدستورية الميثاقية الكيانية، والشرعية العربية الحاضنة، والشرعية الدولية الواجبة التفعيل. مع التأكيد على أن المستقلين الذين ارتضوا ترشّحاً للانتخابات، أياً تكن خياراتهم، ليسوا حتماً بحياديين في الثوابت المصيرية.
1- في الشرعية
الدستورية الميثاقية الكيانية
ليس لبنان في فلسفته طارئاً كيانياً، ولا هو نتاج صدفة اقتطاعية، بل إن قيامه أتى قراراً من شرعية شعبية مثل خياراتها رجالات الاستقلال الاول (1943) وعمّدتها دماء رجالات الاستقلال الثاني (2005)، ولم يكن في الجوهر خلاف بين أي من اللبنانيين على هذه الشرعية، أما الاختلاف ففي قراءة المسبّبات والنتائج أكثر منه في الاساسي.
ولبنان الشرعية الدستورية تحميه ديموقراطية ميثاقية حيث بالامكان تلاقي الازدواجية بين الاحزاب – الطوائف، والطوائف – الاحزاب، لمصلحة الاعتراف بأن كيان الائتلاف الطائفي اللبناني نموذج فريد في العالم، لا بد من حمايته بل مقاربة تجربته في نمط الحكم التوافقي من حيث قدرتها على تقديم ضمانات وجودية لمكوّنات الائتلاف دون فرض او صدام او تعطيل، على أن كل محاولات التفتيت والتطويع أفشلتها إرادة اللبنانيين بسبب من خبراتهم، التي على كثير من إشراقاتها، شابتها بعض المراهقات الانتحارية العبثية، إنما تجاوزها استمر على قاعدة احترام الميثاقية، وإعادة انتاج المؤسسات الشرعية الدستورية، ولو بالحد الادنى من الفاعلية.
لبنان الشرعية الدستورية في ديموقراطية ميثاقية نموذج يُقتضى دراسته بعمق لدعم قيام الدولة أكثر منه تناتف حصص فيها، وهنا أولية الحوار على أي خيار تصادمات مدمّرة.
2- في الشرعية
العربية الحاضنة
في ميثاق الشرعية الدستورية كما في رؤيويي لبنان الصيغة، ما كان لبنان رقعة معزولة، على فرادته في الحرية. إذ امتداده عربي، وهو احتضن قضايا العرب حتى ثمالة الاستشهاد وانزلاقات الشرذمة، وفي مقدمها القضية الفلسطينية. وإن تلاقي الشرعية الدستورية اللبنانية مع الشرعية العربية، في مساهمة تكريس التضامن، لا توزّع المحاور، يعبّر عن صمّام أمان. يقي اللبنانيين أي تسويات على حسابهم.
لكن هذا التلاقي يجب أن يُبادر اليه لبنان فاعلاً وغير منفعل، قادراً وغير تبعيّ، منهجياً وغير شعاراتي، مؤكداً على ثوابته في خيار الالتزام بقرارات الاجماع العربي، وفي مقدمها الذود عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين بحسب قرارات الاجماع العربي وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، بما يُجنّبه أي احتقانات دينوغرافية او اختلالات ديموغرافية. كما أن هذا التلاقي نابع من دعوة الشرعية العربية الى مساعدة لبنان على كافة المستويات، وخصوصاً على المستوى الاقتصادي، بما يُعيد هيكلة ديونه، ويستعيد حقه من صندوق إعادة النهوض بعد معاناته جرّاء العدوان الاسرائيلي الاخير عليه كما حرب مخيّم نهر البارد، ناهيك بإلحاح مساندته مالياً لإقفال ملف المهجرين، ما يكرّس مناخات الاستقرار وينزع فتائل البناء العبثي على شحن تخويفي استنسابي.
3- في الشرعية
الدولية الواجبة التفعيل
تجربة القرارات 425 و1559 و1701 و1575 تؤكد على أن لبنان محطّ اهتمام دولي، رغم تخلي الأسرة الدولية عنه ايام حروب مدمّرة، لكن الأمم المتحدة، تستمر، وعلى الرغم من بعض شلل في أروقة مقارباتها لقضايا العدل العالمية، تستمر راعية مؤسسة لاستعادة أي حقوق مهدورة. من هنا لا بد من أن يبقى لبنان على جهوزية استثنائية من خلال إعداده كل الملفات المتعلقة بحقوقه، الى تفعيل علاقاته مع الدول الاعضاء في مجلس الأمن كما في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، الى تفعيل تواصله ايضاً مع المنظمات الاقليمية والدولية، ما يؤمّن له أوسع مروحة من الدعم وإبعاده عن أطباق المساومات بالمقايضة والمفاوضة على حد سواء.
قد يسألني البعض أن ما علاقة المحاور الثلاثة السالفة بانتخابات نيابية يحكمها تنافس وطني ببعد مناطقي، والحقيقة أن صون مرتكزات أي وطن لا بد من أن تتأسس على فلسفة خيارات ثابتة، وإن الثوابت الضمانات لنهائية لبنان تكمن بالانخراط العملاني في رؤية تلاقي الشرعيات، عنيت الشرعية اللبنانية ومشروعها الدولة الحقيقية، والشرعية العربية ودورها فهم وحسم نموذجية لبنان، والشرعية الدولية ومقتضاها تحييد لبنان عن الصراعات المتداخلة وبازارات التسويات المصالحية.
وإن استعادة منطق تلاقي الشرعيات والتطلّع الى تطوير آليات تحمي لبنان الصيغة والميثاق، وحدها كفيلة بنزع صواعق التــقــابلات الداخلــيــة الضيقة الأفق، كما تقزيم مساحات التقاطع مع أي أجندات خارجية. في هذا السياق يبرز الحوار الهادف منقذاً على أن يلتقي حوله من حسم خياراته في إتقان كسب الوقت، علّ أفقاً ما يحسم لمصلحته. الحوار لغة البرهان والحجّة لا الاستقواء والاستعلاء والقبضات المرفوعة والحناجر المدوية. بين الجماهيرية الشعبوية ولبنان الجمهورية التعدّدية ثمة بون شاسع. وبين الاثنين حدّ أدنى من التوافق الايجابي. هذا هو لبنان. إنه زمن اســتــعــادة الــثوابت وترميم الذاكرة.
(محامٍ بالاستئناف)




















