وسام سعادة
يحرص "حزب الله" على تأكيد أنه يمتلك، على طريقته، مفهوماً للدولة، وأنّه بمفهومه هذا هو الأقدر على تقرير حاضر لبنان ومستقبله.
فماذا عن مفهوم "حزب الله" للدولة؟
إنّه يُطالب اللبنانيين بالانتقال من نموذج الدولة الضعيفة الحاضنة أو المحتضنة لما يعرف بإسم "المقاومة" إلى نموذج دولة التعبئة العامّة المستدامة تحت قيادة ما يعرف بإسم "المقاومة". مفهوم "حزب الله" للدولة هو في الحالتين نقيض للاستقرار الداخليّ والخارجيّ. فإذا كانت القاعدة الدستوريّة تعطي الأولويّة لسلامة الدولة وتجعل سلامة الدولة من سلامة مواطنيها وسلامة أراضيها فإن القاعدة اللادستوريّة بامتياز لدولة التعبئة العامة المستدامة كما يريدها "حزب الله" هو أن تكون سلامة المقاومة وقيادتها قبل سلامة الدولة نفسها وقبل سلامة مواطنيها وأراضيها.
وإذا كانت الدولة الدستوريّة تقرّ بحقوق وواجبات "بين جميع المواطنين من دون تمايز أو تفضيل" (كما جاء في الفقرة جيم من مقدمة دستورنا) فإن دولة التعبئة العامّة المستدامة تلغي مفهوم المواطنة رأساً، وتُحِلّ مكانه القسمة بين "المقاومين" من ناحية، و"غير المقاومين" من ناحية أخرى، بل هي تقترح إعادة تنظيم شموليّة للمجتمع اللبنانيّ على قاعدة تراتبية صارمة: "المقاومون الأطهار" في الدرجة الأولى، ثم "أعوان المقاومين" و"عيون المقاومين" بالدرجة الثانية، ثم "الحلفاء الظرفيين" للمقاومين، ثم "الشكّاكين بالمقاومة"، ثم "المشكوك في أمرهم من قبل المقاومة"، ثم "من يتربّص للمقامة شرّاً"، ثم "العملاء المباشرين". هذا، ولا تحصر دائرة التخوين في المنزلة الأخيرة، إنّما يبدأ التخوين من المراتب التالية مباشرة لمنزلة "المقاومين الأطهار"، وتكون ذروة التخوين ذاك الذي يوجّه لمعشّر المشكّكين بالمقاومة، ولا يعود بعد ذلك من حصّة تخوينية تتميّز بها الفئة الأخيرة أي "العملاء المباشرين"، خصوصاً إن كانت الفئة المشكّكة بالمقاومة تسند عملية القبض على هؤلاء وسوقهم إلى العدالة اللبنانية وليس إلى أي عدالة أخرى.
و"حزب الله" لا يكتفي بطرح نظريّ لمشروع دولة التعبئة العامة المستدامة التي لا تقيم للاستقرار الأهليّ أو الاقتصاديّ أو السياسيّ وزناً، ولا لسلامة الدولة ومواطنيها وأراضيها قيمة. إنّه ينشئ، بقوة الأمر الواقع، هذه الدولة عشيّة الانتخابات، وبوجه الدولة، ومن خلال فرض أجواء الاستنفار الأمنيّ العام المنافي لسلامة العمليّة الانتخابيّة، والتعريض بكافة مرتكزات الدولة الحاليّة.
لكنّ الأكثر خطورة من كلّ ذلك، ذاك الرشق المنقطع النظير لتاريخ الدولة اللبنانية بمجملها. فـ"حزب الله" غير متصالح مع أيّ لحظة من اللحظات التكوينية للدولة اللبنانية، فلا لحظة 1920 وقيام الكيان الوطنيّ ترضيه، ولا لحظة 1926 وقيام الجمهورية والنظام الدستوريّ تقنعه، ولا لحظة 1943 والميثاق الاستقلاليّ المسيحيّ الإسلاميّ تشعره بأنّه معنيّ بها، ولا لحظة 1949 وتوقيع اتفاق الهدنة كأفق لتحديد علاقة لبنان بصراعات المنطقة يمكن أن يتقبّلها، ولا لحظة اتفاق الطائف لعام 1949 وإعادة تأسيس الدولة اللبنانية على أساس المناصفة الدائمة الإسلامية المسيحية يمكنه أن يتبنّاها.
لأجل ذلك، لم يكن عجيباً أن يبادر زعيم "حزب الله"، وبعد مشاركة بعض خطبائه في الحملة على رئيس الدولة الحاليّ العماد ميشال سليمان، الى التعرّض لمقامات الاستقلال اللبنانيّ الأوّل، وللرئيس الشيخ بشارة الخوري، ومن خلال توظيف رسالة وجهّت إلى صاحب الاستقلال الأوّل بعد مجزرة حولا عام 1949، وفي إغفال واضح للدور الرائد الذي لعبه الرئيس الخوريّ والجيش اللبنانيّ حينها في حرب فلسطين، وتبسّله في موقعة المالكية وغيرها من أنحاء الجليل.
ثمّة من يحاول أن يبتدع "خطيئة أصلية" للدولة اللبنانية منذ استقلالها الأوّل، بل منذ قيامها، وذلك ليقول في مكان آخر إنّ هذه الدولة هي بحدّ ذاتها "خطيئة أصلية"، وإنّ منعة الـ10452 كلم مربع هي خطيئة أصليّة.
وكل هذا يزيد من أهمية المعركة "الثقافية" مع هذا النموذج الذي يريده "حزب الله" للدولة، أي نموذج "التعبئة العامّة المستدامة"، نموذج التقسيم الشموليّ للمجتمع على قاعدة اصطفاء المقاومين وبيئتهم الأهليّة الإثنية فوق الجميع، وجعل الجميع أعواناً وعيوناً وعسساً للمقاومين، أو أعواناً وعيوناً وعسساً بوجه المقاومين.
فـ"دولة التعبئة الدائمة المستدامة" لا تريد مجتمعاً واحداً، يحتكم إلى مفهوم واحد للمواطنية، ولا هي تتقبّل التنوّع أيضاً في إطار الشخصيّة اللبنانيّة المميّزة والهجينة والمستقلّة. ما تبتغيه هكذا "دولة" هو أن يحصى المقاومون بمئات الآلاف وكذلك العملاء يبلغون مئات الآلاف. وهذه أصلاً المشكلة الأخلاقية التي تواجه اللبنانيين اليوم: ذلك أنّ اكتشاف هذا العدد الهائل من شبكات التجسّس لصالح إسرائيل من ضمن البيئة الأهلية المفترض أنّ المقاومة محصّنة فيها، إنّما يعني أنّ مفاهيم من نوع "ثقافة المقاومة" و"المجتمع المقاوم" لا بدّ من مراجعتها.




















