البحث عن السلام الضائع محور تحركات سياسية مكثفة تمتد في المكان من القاهرة وعماَّن ودمشق وأنقرة إلى واشنطن وعواصم أوروبية، وستستمر في الزمان حتى موعد الخطاب الذي سيوجهه الرئيس باراك أوباما من العاصمة المصرية إلى العالم العربي والإسلامي. وتحظى المبادرة العربية للسلام بأهمية خاصة بين العناصر الأساسية المتداولة في هذه التحركات، التي تهدف إلى طرح ما أسماه بعض المسؤولين في إدارة أوباما خطة أميركية متكاملة.
والأرجح أنه ستكون هناك علاقة قوية بين المبادرة المطروحة منذ أكثر من سبع سنوات، والخطة التي قد تُطرح في خطوطها العامة في القاهرة بعد تسعة أيام وبتفاصيلها خلال بضعة أسابيع أو أشهر.
ومع ذلك ليس واضحا بعد، بشكل يقيني، ما ستكون عليه هذه العلاقة. فباستثناء ما قالته المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس عن «دمج المبادرة العربية في خطة أميركية متكاملة»، لم يصدر عن أي مصدر رسمي ما يفيد في ما يتعلق بتكييف طبيعة العلاقة بينهما.
ومن حيث المبدأ، توجد صيغتان لهذه العلاقة. فإما أن تنطلق الخطة الأميركية من مضمون المبادرة العربية كما هو لتطويره والإضافة إليه، أو أن تأخذه في اعتبارها محذوفاً منه بعض عناصره. ولما كان متوقعاً أن تعترض إسرائيل على الصيغة الأولى، وأن يكون صعباً على الدول العربية قبول الصيغة الثانية، قد تلجأ إدارة أوباما إلى صيغة أخرى لم تظهر معالم واضحة لها حتى الآن، وإن كان هناك ما يفيد أنها أُدخلت إلى المطبخ. لكن الرائحة الصادرة عن عملية طهوها لا تكفي بعد لكشفها، ربما لأن تباعد المواقف بين الدول العربية وإسرائيل يربك هذه العملية بما يؤدي إليه من تأثيرات متعارضة عليها.
غير أن ما يمكن استنتاجه، عبر جمع كلمة من هنا وعبارة من هناك وقراءة ما بين سطور كلام قيل في مقابلات إعلامية ومؤتمرات صحافية، أن الصيغة المحتملة للعلاقة بين المبادرة العربية والخطة الأميركية تنطوي على جديد فعلاً، لكنه ليس مما يدفع إلى الارتياح أو يحمل بشرى بأن إدارة أوباما، التي خلقت ثورة توقعات إيجابية، تمضي في اتجاه ينسجم مع الآمال المعقودة عليها.
فالصيغة التي يبدو أن تياراً قوياً في هذه الإدارة يميل إليها تقوم، في ما يمكن استنتاجه، على محاولة تجاوز الخلاف على بعض بنودها من خلال مطالبة العرب باتخاذ خطوات تشجع إسرائيل على التحرك في اتجاه يؤدي إلى التجاوب معها. ويعنى ذلك أن يقدم العرب تنازلات على أمل أن ترد عليها إسرائيل بمثلها من دون ضمانات حقيقية. وفي هذا المنهج، كما هو واضح، ما فيه من منطق معكوس ثبت أنه يتيح لإسرائيل فرصا لا نهائية للمناورة والمداورة.
وقد اعتمدت الولايات المتحدة هذا المنهج، الذي أرسته القيادة الفلسطينية في مفاوضات أوسلو في 1993، بالرغم من أنه أحد أسباب ضياع السلام الجاري البحث عنه الآن. والمفترض أن تراجع إدارة أوباما هذا المنهج غير المنتج، لا أن تكرسه وتعيد إنتاجه حتى إذا وجدت أن بعض الأطراف العربية يقبله.
وإذا صح هذا الاستنتاج، فقد تقوم الخطة الأميركية على مطالبة الدول الإسلامية في مجملها باتخاذ خطوات يمكن اعتبارها شُروعاً في التطبيع الذي التزمت الدول العربية به في مبادرتها، ولكن من دون أن تلتزم إسرائيل بما هو مستحق عليها فتنسحب من الأراضي التي احتلتها في 1967 وتقام الدولة الفلسطينية.
والصيغة المحتملة في هذا السياق، وفق ما يمكن استنتاجه، هي مطالبة الدول الإسلامية بخطوات تدخل في إطار التطبيع الفعلي للعلاقات تحت شعار تشجيع إسرائيل أو تقديم حوافز لها، في مقابل ما لا يتجاوز الالتزام الخطابي، أي تقديم كلام يدور حول الالتزام بحل الدولتين (الذي كانت إسرائيل ملتزمة به حتى ثلاثة أشهر مضت)، والشروع في مفاوضات متوازية مع الفلسطينيين وسورية وربما لبنان في إطار جداول زمنية وليس على أساس ضمانات موضوعية، ووقف الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير الحقائق على الأرض وتغيير هويتها وخصوصاً الاستيطان، بالإضافة إلى إعلان أن المبادرة العربية تمثل أساساً جيداً وتتضمن عناصر صالحة لبناء السلام عليها.
ويعني ذلك منح إسرائيل مكاسب من الدرجة الأولى وفي مقدمتها كسر حاجز المقاطعة المفروضة عليها من جانب ما يقرب من خمسين دولة إسلامية لا تقيم أي علاقة معها، عبر إجراءات من نوع السماح بمرور طائراتها في أجواء هذه الدول وإقامة علاقات سياحية، وبالتالي منح الإسرائيليين تأشيرات دخول إليها.
وهذه مكاسب عملية ملموسة لا يصح أن تحصل عليها إسرائيل إلا في مقابل انسحاب كامل من الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة. فالشروع في تطبيع مجاني حتى إذا كان محدوداً مع إسرائيل لا يحفزها على التقدم نحو سلام في مقابل الأرض، وإنما يزين لها نيل كل ما تريده مع الاحتفاظ بالمناطق التي تحتلها في آن معاً.
فإذا حصدت حكومة بنيامين نتانياهو هذه المكاسب نتيجة تطرفها وفرضها شروطا إضافية للسلام، ستكون الحكومة القادمة أكثر تطرفاً. وإذا أدت شروط نتانياهو إلى بدء تطبيع مع الدول الإسلامية، فلماذا لا يتطلع رئيس الوزراء الذي يليه إلى مزيد من هذا التطبيع عبر فرض شروط أكثر تشددا؟.
لذلك، سيكون خطأً منح إسرائيل أي مقابل لما يتعين عليها أن تقوم به بموجب الشرعية الدولية، فما الإجراءات الأحادية التي يطالبها أوباما بوقفها إلا انتهاك سافر لهذه الشرعية. لهذا إذا لم تكن إدارة أوباما قادرة على طرح مبادرة منطقية تكون الخطوات المطلوبة من الدول الإسلامية فيها تالية للالتزامات التي يتعين أن تفي بها إسرائيل وفقاً للشرعية الدولية، فليكن الأمر على سبيل التبادل خطوة بعد أخرى.
ويعني ذلك أن ترد الدول الإسلامية بخطوة محدودة على كل التزام محدد تفي به إسرائيل، الأمر الذي يحقق التشجيع المطلوب ولكنْ على نحو يمكن أن ينتج سلاماً قابلاً للاستمرار، وليس استسلاماً قد ينتج حالة أكثر حدة وعنفاً في صراع قابل بطابعه لأن يمتد عقوداً أخرى.
"الحياة"




















