تركز الحكومة الاميركية الجديدة على كيفية اقناع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة كخطوة رئيسية على طريق استئناف العملية التفاوضية، ولكن الأخير مصر على المضي قدماً في التوسع الاستيطاني انسجاماً مع برنامجه السياسي الذي انتخب على اساسه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
بالأمس أعلن نتنياهو رفضه للدعوات الاميركية لتجميد جميع الأنشطة الاستيطانية، وقال أثناء اجتماع حكومته الاسبوعي نحن لا نعتزم بناء اي مستوطنات جديدة، ولكن لن يكون من العدل منع البناء من اجل تلبية احتياجات النمو الطبيعي، او ان يكون هناك حظر تام على البناء’.
كلام نتنياهو هذا يعني التزامه التام بتعهداته الانتخابية، لأن ‘تلبية احتياجات النمو الطبيعي للمستوطنات’ اخطر بكثير من بناء مستوطنات جديدة، لأن المستوطنات الاسرائيلية القائمة مثل ‘معاليه ادوميم’ او جبل ابو غنيم ‘حار حوما’ في محيط القدس الشرقية هي مدن كاملة في حد ذاتها، وتوسيعها هو ابتلاع ما تبقى من اراضي المدينة المقدسة.
رئيس الوزراء الاسرائيلي بمثل هذه المواقف ينفي عملياً كل ما تردد عن قبوله مطالب الرئيس الامريكي باراك اوباما بوقف الاستيطان لافساح المجال امام الجهود الرامية الى استئناف العملية السلمية على اساس خريطة الطريق الصادرة عن اللجنة الرباعية الدولية.
لا نعرف كيف سيرد الرئيس الاميركي على هذا التحدي السافر من قبل نتنياهو لادارته ومطالبه بوقف الاستيطان، خاصة انه يستعد حالياً لتوجيه خطاب مصالحة الى العالم الاسلامي اثناء زيارته للقاهرة في مطلع الشهر القادم، لكن عدم تعامله بطريقة حاسمة مع الحكومة الاسرائيلية الحالية سيجعل مثل هذه المصالحة دون اي قيمة.
من الواضح ان اولويات نتنياهو تتناقض كلياً مع اولويات الادارة الامريكية الجديدة، فرئيس الوزراء الاسرائيلي يعتقد ان الحفاظ على وحدة الائتلاف الحزبي الذي يتزعمه، ويحكم من خلاله، اهم من المصالح الامريكية الاستراتيجية في المنطقة والعالم الاسلامي، ولهذا يسير قدماً في سياساته الاستيطانية مطمئناً الى دعم اللوبي الاسرائيلي وسيطرته على الكونغرس وعملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة بالتالي.
نتنياهو يريد التعامل مع الملف النووي الايراني قبل الحديث عن اي عملية سلمية. اوباما يرى العكس تماماً، اي ضرورة احداث تقدم في ملف تسوية الصراع العربي الاسرائيلي كخطوة ضرورية يمكن ان تسهل طرق التعامل مع الملف الايراني المذكور.
نحن الآن نقف امام صراع ادارات بين ادارة ديمقراطية اميركية تريد تطبيق سياسة خارجية امريكية تتجنب اخطاء الادارة السابقة، وتعيد اصلاح الصورة الامريكية السيئة في العالم، وحكومة اسرائيلية يمينية متطرفة تعتقد انها فوق القانون، تستطيع ان تفعل ما تشاء، بما في ذلك شن الحروب ضد اي دولة تشكل خطراً عليها وما على الادارات الامريكية غير تقديم الدعم والمساندة.
اكثر ما نخشاه ان يرضخ اوباما لمثل هذا الابتزاز الاسرائيلي من حيث رمي الكرة في الملعب العربي، ومطالبة الحكومات العربية بخطوات تطبيعية اكبر مع اسرائيل مقابل تجميد حكومة نتنياهو للاستيطان في الاراضي المحتلة.
بمعنى آخر تقزيم المبادرة العربية للسلام بحيث يصبح التطبيع الشامل مقابل تجميد الاستيطان بدلاً من التطبيع الشامل مقابل الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة، ولن نستغرب اذا ما قبلت انظمة الاعتدال العربي اي مطلب لاوباما في هذا الصدد تحت ذريعة تشجيع حكومة اسرائيل على العودة الى مائدة المفاوضات والتراجع عن رفضها لحل الدولتين.
القدس العربي




















