حازم صاغيّة
بينما المعارك ناشبة في سوات، كتب أحمد رشيد، في «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، أن «باكستان قريبة من شفير الهاوية». فهي على أبواب «حالة فوضى دائمة، فيما الثوريّون الإسلاميّون بقيادة طالبان وحلفائها يستولون على مزيد من الأرض (…) لن تكون هناك انتفاضة ثوريّة جماهيريّة كما حصل في إيران عام 1979، ولا اقتحام لذُرى السلطة كما جرى في فيتنام وكمبوديا. يمكننا، في المقابل، أن نتوقّع اندماجاً ملتهباً، بطيئاً وملتوياً ومديد الإحراق، بين الخوف والإرهاب والشلل، وهو ما أشعلته طالبان بينما تبدو الدولة غير قادرة على إخماده، وجزئيّاً غير راغبة فيه».
ويرسم كبير أخصائيّي الوضعين الباكستانيّ والطالبانيّ لوحة الوضعين هذين على النحو الآتي: «في شمال باكستان، حيث السيطرة، إلى حدّ بعيد، لطالبان وحلفائها، تبدو الأوضاع حسّاسة. فمؤسّسات الدولة مشلولة وأكثر من مليون شخص فرّوا من بيوتهم. أما الحكومة الإقليميّة لمنطقة الشمال الغربيّ الحدوديّة فهرعت إلى مخابئها، وأما القانون والنظام فانهارا، وفقط في الأشهر الأولى من هذا العام بات هناك 180 مخطوفاً مقابل طلب الفِدى في عاصمة المنطقة، بيشاور. الاقتصاد الإجماليّ يتداعى، مع إجراءات قطع حادّ للكهرباء على مدى البلد يواكبها توقّف الصناعات. البطالة وعدم وصول الصغار الى المدارس متفشّيان، ما يخلق مصدراً جديداً للتطوّع في طالبان. وبدورهما، فزرداري وغيلاني أنفقا السنة الماضية وهما يتقاتلان في تنافسهما السياسيّ، بدل مواجهة خطر طالبان والأزمة الاقتصاديّة».
اللوحة الكئيبة هذه تقول كيف أن «الداخليّ» في دولة كباكستان لا يلبث أن يصير حدوديّاً وخارجيّاً، كما تشي بأن التعفّن العامّ لا يقتصر على فريق أو جماعة أو طبقة، بل يطاول المجتمع ككلّ، فيما تغيير السلطة (أي الصعيد السياسيّ) ليس الأمر المطروح. بيد أن الأهمّ، وهو ما يفسّر معظم المعاني السابقة، مفاده إجماع الباكستانيّين على عدم العيش في دولة وانتظام حديث.
وباكستان، في هذا، يمكن العثور عليها، أو على بعضها، في أمكنة كثيرة مشابهة. فالصومال الذي لم يعرف الحكم المركزيّ منذ إطاحة رئيسه سياد برّي في 1991، تقلّبت عليه سلطات عابرة كثيرة، فيما أعلنت منطقته الشماليّة الغربيّة، ومن طرف واحد، نيلها الاستقلال بوصفها «جمهوريّة بلاد الصومال». لكنْ في هذه الغضون، تدخّلت أثيوبيا عسكريّاً في 2006 لتساعد الحكومة الانتقاليّة يومذاك ضدّ الإسلاميّين ممن استولوا على العاصمة مقديشو. بيد أن الانسحاب الأثيوبيّ، أواخر 2008، ترك فراغاً لم يجد من يملأه غير «الشباب» الإسلاميّين، ما قد يستدعي تجدّد التدخّل الأثيوبيّ (ثمّة من يؤكّد حصوله رغم نفي أديس أبابا). وإذ يعلن «الشباب» أنهم، قبل أيّام قليلة، نفّذوا عمليّة انتحاريّة في مقديشو، قضت على ستة جنود ومدنيّ، يتحوّل القراصنة الصوماليّون خطراً على الملاحة الدوليّة يستدعي من الحلف الأطلسيّ المبادرة بشنّ عمليّات مضادّة للقرصنة.
وغير بعيد عن القرن الأفريقيّ، يتّهم السودانُ التشادَ بالتدخّل العسكريّ ضدّه لمصلحة الدارفوريّين و «حركة العدل والمساواة»، بينما تتّهمه التشاد بأنّه يرسل إليها قوّات من المتمرّدين الذين ترعاهم الخرطوم. وتعجز القوّات الدوليّة والأفريقيّة عن منع احتمالات الحرب بين نظامين أحدهما متّهم بالتسبّب، في دارفور وحدها، وفي خلال ستّ سنوات فقط، بـ300 ألف قتيل وأكثر من مليوني مشرّد.
وأيضاً، غير بعيد عن السودان، تلوح نُذر يمنيّة مقلقة قد تطرح، في حال الانفجار، مسائل الاستقرار والأمن في منطقة عريضة يحاصرها، من شمالها، تهديد الفوضى العراقيّة. وهكذا دواليك مما «يصنعه الاستعمار» طبعاً…




















