"الحياة"
على اثر ظهور الحالات الأولى لمرض إنفلونزا الخنازير بالمكسيك، قامت إحدى قنوات التلفزيون باستطلاع للرأي لمعرفة الكيفية التي تلقى بها المواطنون الميكسيكيون النبأ. ما بدا مثيراً في ردود هؤلاء هو أن معظمهم لم يكن يحمل الخبر محمل الجد، وغالباً ما اعتبر المسألة جراً للمواطن إلى انشغالات تبعده عن هموم السياسة، وتمهده لخوض الانتخابات لمصلحة طرف دون آخر، في حين رأى آخرون أن الدافع وراء إشاعة النبأ لم يكن إلا جني الأرباح من بيع الواقيات والأدوية.
الجميع إذاُ لم يكن يقرأ الخبر في منطوقه، فاعتبر أن وراء ما ينقله شيئاً آخر ليس هو ما يظهر مباشرة. الجميع أساء الظن في الخبر، وبحث «عما وراء الخبر»، وما وراء الظاهرة الصحية من دوافع سياسية وحوافز اقتصادية.
ليس من شك في أن تطور الأمور سيجعل سيئي الظن هؤلاء يغيرون مواقفهم، إلا أن ما يهمنا هو ردود الفعل التلقائية الأولى، وكونها في معظمها ردود متشككة، تفترض دوما أن الادراكات الأولى هي دوماً خداعات أولى، وأن ما ينبغي التسليم به يأتي دوماً بعد فحص وتنقيب، وأنه في البدء يكون الوهم والتضليل والخداع، وأن الأمور هي دوما غير ما هي عليه، وأنها، إن كانت تبدو متعلقة بالصحة، فهي سياسية في جوهرها، أو هي اقتصادية أساساً. المهم أنها ليست ما تظهر عليه.
يعتبر ميشيل فوكو أن هذه السمة هي إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها التأويل المعاصر، والتي تربط الإنسان الحديث بالعلامات وتحدد علاقته بالكائن. هذا ما يطلق عليه «خبث العلامة»: الإنسان الحديث يعيش في عالم جميع الكائنات فيه تتكلم حتى إن ظلت صامتة، وهي إذ تتكلم تعني غير ما تقول.
قد يقال إن افتراض التمويه والتضليل ليس أمراً مقتصراً على ثقافتنا الحديثة، وان كثيراً من الثقافات تفترض فاعلاً مضللاً سمي الهيبريس عند الإغريق، وسمي الشيطان في الديانات الإبراهيمية، وغدا «شيطاناً ماكراً مفترضاً» عند العقلانية التقليدية، إلا أن الضلال هنا لم يكن أصلياً، وسرعان ما كان في الإمكان تجاوزه، ولعل ذلك هو ما كان يبرر التسلح بالمنهج عند أبي العقلانية.
غير أن ما ينبغي الإلحاح عليه هنا هو أنه حتى التحليل الإيديولوجي الذي يفترض أن صناعة الأوهام تعود إلى «الأجهزة الإيديولوجية للدولة» وما تتمتع به من قدرة على القلب والتشويه، حتى هذا التحليل ربما لم يعد كافياً اليوم لتفسير سوء الظن العام الذي يطبع «مجتمع الفرجة»، والذي يجعلنا نعتقد أن الكائن المعاصر مدان حتى تثبت براءته، ويجعلنا نواجه بالتالي، ليس صلابة الأخطاء، أو قوة الأوهام فحسب، وإنما شيئاً جديداً يخص مجتمعنا الإعلامي هو ما يدعوه دولوز الترهات والعبث واللامعقول.
* كاتب مغربي




















