في أكتوبر من عام 2003 اختار مجلس إدارة «مجموعة سيتي» المالية، السيد «تشارلز برنس» رئيساً لمجلس الإدارة وكبيراً لكبار القيادة الإدارية.
وفي البدء ارتفعت أسعار أسهم هذا العملاق المالي وتقاضى قادته الإداريون وكبار سماسرته مئات الملايين من الدولارات بصفة أجور ومكافآت. والمكافآت كانت، كالعادة في القطاع المالي، أضعاف الأجور.
غير أن تصاعد مبالغ المكافآت دفعت السماسرة، وقادتهم الإداريين، إلى «المقامرة» بأصول البنك في الاستثمار بأدوات مالية لم تختلف كثيراً درجة احتمال خسارتها عن درجة احتمال خسارة أي لعبة من ألعاب القمار المعروفة. وبقية القصة معروفة عما سببته قيادة المجموعة من خسائر لملاك المجموعة الحقيقيين، وهم حملة الأسهم من مستثمرين أفراد ومؤسسات تقاعد وتأمينات من كل نواحي المعمورة.
وفي نوفمبر من عام 2007، استقال «تشارلز برنس» (1). وتقاضى ذلك «النهاب» 138 مليون دولار مقابل أتعابه عن جميع سنوات قيادته لذلك العملاق المالي. وماذا دفع «تشارلز برنس» للمجموعة بعد أن سبب لها خسائر فادحة؟
لا شيء!
وهذه من مآسي القطاع المالي الكثيرة التي سببت الكارثة المالية. أي أن الإدارة تربح مئات الملايين إذا ربحت المنشآت المالية التي يديرونها، وفي الوقت ذاته، فإن الإدارة لا تخسر مليماً أو سنتاً واحداً إذ خسرت المؤسسة التي وَكَّلَهُمْ «شكلياً» حملة أسهمها على قيادتها. وما داموا لا يخسرون شيئاً إذا خابت مغامراتهم، فما الذي يدفعهم إلى «التحوط» والاستقصاء قبل أن يلقوا بأموال غيرهم إلى التهلكة.
أما الفقير إلى ربه «ستانلي أونيل» وهو أفقر الكثيرين حقيقة لا مجازاً، من موظفي «ميريل لينش» والتي قادها إلى الدمار الشامل فلم يحصل إلا على 161 مليون دولار مقابل أتعابه خلال فترة رئاسته. ومنحه مجلس إدارة «ميريل لينش» 160 مليون دولار إضافية بدل «معاش» أو تقاعد. دمر هذا الرجل، «بنكاً استثمارياً» عتيداً له فروع في كل حي من أحياء المدن الكبيرة وفرع في كل بلدة صغيرة في جميع أنحاء القارة الأميركية. وتقاضى من رواتب ومكافآت وبدل معاش 321 مليون دولار من دون أن يخسر سنتاً واحداً حينما توالت خسائر تلك المؤسسة العملاقة التي قادها إلى الغرق.
أما كبيرهم الذي علمهم أهم أدوات وطرق ووسائل مكافأة النفس على حساب حملة الأسهم، فكان «جيمس كين» الذي حصل من «بيرن سترن» في الفترة من (1993 – 2006) على (232) مليون دولار لا غير.
وهذا الرجل كان قائد من ابتدعوا إقراض 35 دولاراً أو حتى 40 في بعض الأحيان، مقابل كل دولار في خزينة «البنك» الذي قاده إلى الزوال.
غير أن القارئ العربي، غير المتخصص بالطبع، قد يتساءل: ماذا يهمنا بالنسبة إلى ما حصل في القطاع المالي الأميركي؟
والجواب باختصار، أن أسواق المال في العالم أجمع تسير أو تتوقف من خلال قنوات كثيرة متعددة، وتجتمع في قناة واحدة ضخمة إما تصب في أو تأخذ من عواصم الأسواق المالية. وبما أن السوق المالي في نيويورك هو الأكبر والأهم فإن ما يصيبه من خير أو شر يصيب بقية الأسواق. والذين غامروا بأموال حملة أسهم المنشآت المالية العملاقة في أميركا لم يخسروا سنتاً واحداً من أموالهم الخاصة، والذي خسر هي المنشآت التي كانوا يديرونها. وما حصل في نيويورك حصل بدرجات أقل في لندن وباريس وفرانكفورت. وسرعان ما أصابت ألسنة النيران التي أشعلوها ابتداءً في نيويورك، العالم كافة، فتوقفت قنوات التداول سواء أكان فيها «مشتقات» سامة أو غيرها من وسائل الخلط والمزج والترقيع، أو غيرها من الأدوات المالية المستحدثة التي ابتدعها السماسرة لا لإفادة حملة الأسهم وإنما لزيادة مكافآتهم الشخصية.
والله من وراء القصد.
* أكاديمي سعودي
1- مصدر المعلومات التي وردت في هذا المقال كتاب مؤسس مجموعة «فان قارد» للمحافظ الاستثمارية، تحت عنوان: «يكفي».




















