المستقبل
الاختراق العسكري الذي حققته حركة "طالبان" الشهر الماضي صوب منطقة بونر الواقعة على بعد نحو مئة كيلومتر فقط من شمال غربي اسلام أباد ومنطقة أخرى متاخمة لسوات، أثار رعباً حقيقياً في الأوساط الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية. ففي القمة الثلاثية التي عقدت في واشنطن يوم 7 أيار الجاري، وجمعت كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما، والرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، والرئيس الأفغاني حامد كرزاي ، والتي تناولت بصورة صريحة التحديات الخطيرة التي تواجهها الدول الثلاث، مارست الولايات المتحدة ضغوطات قوية على الرئيس الباكستاني لكي يعطي الضوء الأخضر للجيش الباكستاني للانتقال إلى الهجوم المعاكس للقضاء على مقاتلي حركة "طالبان" وأخواتها في وادي سوات، حيث تحولت باكستان وأفغانستان وفق العقيدة الجديدة للرئيس الأميركي أوباما إلى المركز الرئيس في الحرب العالمية على الإرهاب. وما كان على زرداري وكرزاي سوى الخضوع لتطبيق الاستراتيجية الأميركية الجديدة.
وادي سوات الباكستاني.. يقع في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي إلى الغرب من بانر، ويضم ما يقرب 8,1 ملايين نسمة ويقع على بعد 150 كيلومتراً شمال شرق بيشاور، ويعد معقلاً للمقاتلين الإسلاميين المتشددين من حركة "طالبان"، وتنظيم "القاعدة".
وادي سوات يعتبر من مناطق الجذب السياحي في باكستان حتى سنة 2007، كان يلقب في السابق بـ"سويسرا باكستان"، وهو في الوقت عينه يشكل مركز اصطياف مفضل للسكان الأثرياء من العاصمة اسلام أباد. ويوجد في سوات 566 مدرسة للفتيات تتضمن أربع مدارس ثانوية حكومية و22 مدرسة ثانوية و51 مدرسة متوسطة و489 مدرسة ابتدائية. ومن هذه المدارس تم إغلاق أو إشعال النار في 131 مدرسة، مما حرم 20017 فتاة من التعليم. وخلال العام الماضي تم تدمير 150 مدرسة معظمها مدارس للفتيات، حتى لو تغيب التلاميذ عنها.
وادي سوات هذا، تحول إلى وادٍ للموت منذ 26 نيسان الماضي، بعد أن أصبح في قلب الحرب الدائرة بين الجيش الباكستاني، بقيادة الجنرال إشفاق برويز كياني الذي يؤكد أن قواته قادرة على التعامل مع كل أنواع التحديات التي تواجهها باكستان، وأنه "مصمم على تصفية طالبان"، من جهة، ومن جهة أخرى مع حركة "طالبان" الباكستانية، ومقاتلي "القاعدة".
فقد جاءت هذه الحرب الدائرة بعد أن انهار اتفاق السلام الذي وقعه الرئيس الباكستاني مع حركة "طالبان" في شباط الماضي لإنهاء العنف، مقابل السماح بتطبيق الشريعة الإسلامية في وادي سوات، حيث اعتبرت الولايات المتحدة ومسؤولون باكستانيون ذلك الاتفاق، بأنه يوفر ملاذاً آمناً لـ"طالبان" و"للقاعدة". وكانت "طالبان" قد أكدت أن مقاتليها سيتخلون عن السلاح في إقليم سوات عندما يوقع الرئيس الباكستاني على الاتفاق.
ادعى مقاتلو "طالبان" أنهم ببساطة "طلاب دين"، يتبعون تعاليم الإسلام. ولكن ادعاءهم الرئيسي ما كان ليصمد أمام التمحيص. فالمدارس الدينية التي انبثقوا منها في باكستان، كانت جزءاً من اتجاه يسمى "ديوباندي"، نسبة إلى الكلية اللاهوتية المعادية للحداثة التي فتحت في الهند في القرن التاسع عشر في مواجهة الكلية الليبرالية ذات التفكير الإصلاحي في أليغار. وعندما أقيمت باكستان كدولة مسلمة، رفض أنصار "الديوباندي" الاعتراف بها في البداية. وأدرك أنصار الاتجاه "الديوباندي" أهمية السيطرة على السلوك الاجتماعي والتربية، وإقامة تحالفات تكتيكية مع الجيش. وكان هذا يعني إقامة علاقات مع مديرية الاستخبارات في باكستان، وهي الجهاز الأمني الرئيسي المسؤول عن ايصال السلاح إلى أفغانستان خلال الثمانينات.
وكانت السلطة العسكرية في اسلام أباد متسامحة مع حركة "طالبان"، وتغض النظر عن نشاطها، لأن باكستان خسرت في الحرب الأميركية على الإرهاب عمقها الاستراتيجي في أفغانستان عام 2001، الذي كان يمكنها من تعزيز مكانتها الاستراتيجية في المنطقة لتعويض اختلال التوازن القائم لمصلحة جارتها اللدود الهند، لا سيما أن أفغانستان وقفت إلى جانب الهند ضد استقلال باكستان العام 1947. فوجود حكومة حامد كرزاي الموالية للغرب، والمتحالفة مع الهند، جعلت المخابرات العسكرية في باكستان، تمنح التسهيلات اللوجستية لحركة "طالبان" كي تقاوم التدخل الخارجي، ولا سيما العمليات العسكرية للقوات الخاصة الأميركية وقوات الحلف الأطلسي، إضافة إلى غارات الطيران الأميركي، واستخبارات الهند، ولكي تعود أيضاً إلى أفغانستان، وربما لإقامة دولة تكون تابعة لباكستان.
في ظل حكومة مدنية عاجزة وفاشلة، واتساع التمرد العسكري بقيادة حركة "طالبان "، يصبح الجيش الباكستاني الذي يشكل العمود الفقري للدولة، والذي يسيطر على الاقتصاد من خلال المجمع العسكري الصناعي الذي يملكه، والذي يقدر رأسماله بنحو 20 مليار دولار في سنة 2007، إضافة إلى تملكه 4,8 ملايين هكتار من الأراضي الخصبة، وتفوقه العددي 7000000 عسكري، مقابل 15000 مقاتل من الإسلاميين المتشددين، هو الطليعة المقاتلة من أجل حسم الحرب في وادي سوات، وإلحاق الهزيمة بحركة "طالبان" وأخواتها في باكستان وأفغانستان.




















