النهار
لبنان الكيان مرّ، عبر التاريخ بانظمة سياسية متعددة من الوصاية الى الانتداب حتى الاستقلال. وابرز هذه الانظمة السياسية هي دولة لبنان الصغير المعروفة بعهد المتصرفية التي قامت سنة 1861 ثم دولة لبنان الكبير سنة 1920. وكان اعلان الجمهورية "الاولى" في 26 ايار 1926 عندما انتخب شارل دباس رئيساً للجمهورية الاولى.
وساقت تداعيات الحرب الكونية الثانية وانتصار الحلفاء الى اعلان استقلال لبنان في 26 تشرين الثاني 1941 وانطلقت "الجمهورية الثانية" وانتخب اول رئيس لها بشارة الخوري في 21 ايلول 1943 واستمرت هذه الجمهورية الثانية حتى نهاية ولاية الرئيس امين الجميل. وكان المخاض العسير الذي يذكره الجميع والذي ادى الى مؤتمر الطائف واعلان الجمهورية الثالثة التي كان اول شهدائها الرئيس رينه معوض وهذه الجمهورية الثالثة قائمة حاليا ً بعد انتخاب العماد ميشال سليمان في ايار 2008.
يتبين من ذلك ان ترقيم الجمهوريات يخضع لمفاصل تاريخية استثنائية كالانتقال من دولة لبنان الكبير الى الجمهورية اللبنانية والانتقال من الانتداب الى الاستقلال واخيراً العودة الى السلم بعد الحروب الاهلية التي عصفت بالوطن من عام 1975 حتى العام 1989. وبديهي التفكير والقول ان ترقيم الجمهوريات هو اختصاص فرنسي بامتياز. لأن فرنسا هي الجمهورية الوحيدة والفريدة في العالم التي رقّمت جمهوريتها من الاولى حتى الخامسة. وكان لكل جمهورية الاسباب القاهرة او الدراماتيكية لولادتها ولموتها. وهذا مختصر قد يكون فيه افادة وعبرة.
الجمهورية الفرنسية الاولى (1792- 1804)
اعلنت الجمهورية الفرنسية الاولى بتاريخ 21 ايلول 1792 وانتهت في 18 ايار 1804 عند اعلان الامبراطورية الفرنسية الاولى. ميزة هذه الجمهورية انها قامت بعد ثورة 1789 وانها دامت مدة 12 سنة بدون ان تستطيع انتخاب رئيس لها. وشهرة هذه الجمهورية انها اعدمت الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت وسجنت ولي العهد لويس السابع عشر وتركته يموت في السجن. وفي عهدها استبد الرعب وتمت التصفيات الدموية الرهيبة وهي التي قامت بالفتوحات العسكرية وسحقت الجيوش الاوروبية المعادية للثورة. وهي ايضاً التي انشأت المدارس الكبرى الذائعة الصيت حتى يومنا هذا مثل مدرسة البوليتكنيك ودار المعلمين العليا. واخيراً هي التي مهدت لقيام الامبراطورية الاولى بزعامة "قنصلها الاول نابوليون بونابرت".
الجمهورية الفرنسية الثانية (1848- 1853)
ألفونس دو لامارتين اعلن الجمهورية الثانية على درج القصر البلدي في باريس.
واذا كانت الجمهورية الاولى قد انتهت باعلان الامبراطورية الاولى فان الجمهورية الثانية انتظرت مرور اربعة واربعين سنة لتعود في 25 شباط 1848 بعد هزيمة آخر ملوك فرنسا وتنازله عن العرش وهروبه الى لندن في 24 شباط 1848 بعد التظاهرات العنيفة واعمال الشغب والقتل والنهب. وانتخبت هذه الجمهورية رئيساً واحداً ما لبث ان علق دستور الجمهورية ووضع دفعة واحدة، وفي ليل واحد (اول ايلول 1851) جميع القيادات السياسية في السجن او قيد الاعتقال واعلن قيام الامبراطورية الثانية التي استولت على السلطة وحكمت البلاد حتى سقوطها المريع وهزيمتها الكبيرة سنة 1870. كانت مدة هذه الجمهورية خمس سنوات وانتخبت رئيساً واحداً.
الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870- 1940)
غامبيتا اعلن الجمهورية الثالثة مشياً على الاقدام بين الحشود الشعبية من ساحة الكونكورد حتى القصر البلدي في باريس.
كانت الجمهورية الثالثة "ثابتة نسبياً" لانها استمرت في حكم فرنسا سبعين سنة وانتخبت اربعة عشر رئيساً وانجزت الاصلاحات المعجزة من تثبيت النظام الديموقراطي البرلماني واحترام المهل الدستورية والتناوب على الحكم عبر الانتخابات الرسمية والاحترام الكامل لنتائج صناديق الاقتراع، كما اسست "مدرسة الجمهورية العلمانية" واعلنت "فصل الكنائس عن الدولة" وهذا يعني منع رجال الدين من التدخل في شؤون الدولة، وليس منع الدين بل بالعكس من ذلك، فان قانون فصل الكنائس عن الدولة يحمي حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية والفكرية والعقائدية. وهذه الجمهورية هي التي خاضت الحرب الكونية الاولى وربحتها. ولكنها سقطت لعدم قدرتها عن مواجهة المدّ النازي وآلته العسكرية المتفوقة عند بدء الحرب الكونية الثانية وانهزمت امام حكومة المارشال بيتان العميلة للحكم النازي سنة 1940 حتى التحرير وسحق النازية بقيادة محرر فرنسا ورمز مقاومتها الجنرال شارل ديغول الذي تولى الحكومة الموقتة التي مهدت لقيام الجمهورية الرابعة.
الجمهورية الرابعة (1947- 1959)
لم يتمكن ديغول من إقامة الجمهورية التي يحلم بها واعترض على مسودة الدستور الجديد واستقال بتاريخ 20 كانون الثاني 1946. ولكن الجمهورية الرابعة قامت بدونه وانتخبت فنسان اوريول رئيساً لها في 16 كانون الثاني 1947 لولاية من سبع سنوات وبعده انتُخب رينه كوتي آخر رئيس للجمهورية الرابعة تسلم الرئاسة في 16 كانون الثاني 1954 حتى انهيار الجمهورية الرابعة وقيام الخامسة سنة 1959.
الجمهورية الخامسة (1959-…؟)
اعلن شارل ديغول ولادة الجمهورية الخامسة في 8 كانون الثاني 1959 اثناء الحرب مع الجزائر التي كادت تدفع بالحرب الأهلية داخل فرنسا. والغى لقب "رئيس مجلس الوزراء" ليصبح "الوزير الاول". كما الغى اسم "مجلس النواب" ليصبح "الجمعية الوطنية". وفتح عهداً جديداً من الحكم الثابت في الجمهورية التي يتحكم الرئيس في جميع مفاصلها خصوصاً السياسة الخارجية والدفاع الوطني. وهي الجمهورية المستمرة حالياً بقــيادة الرئيس نيكولا ساركوزي وهو الرئيس الثالث والعشرون للجمهورية الفرنسية والرئيس السادس للجمهورية الخامسة التي اصبح عمرها خمسين سنة.
هذا يدل على ان ترقيم الجمهوريات يجب ان يستند الى وقائع واحداث تاريخية حاسمة او دراماتيكية ووضعها في سياق الدعاية الانتخابية امر فيه شيء من عدم الجدية.
(طبيب)




















