المستقبل
بعد تردد كبير، وللحقيقة أقول أنني أؤيد الاقتراح الذي يحظر الاحتفال بشكل علني بيوم الاستقلال لدولة اسرائيل كيوم عزاء.
لماذا؟ لان كل دولة ديموقراطية، واسرائيل هي بالتأكيد كذلك، تريد ضمان حقوق الاقلية وتطبيق مبادئ حرية التعبير. ولكن ينبغي ان نتذكر بانه لا يوجد في أي نظرية قضائية حقوق مطلقة ولا توجد حقوق اساس مطلقة. فالديمقراطية يمكن هدمها كما حصل في فترة النظام النازي، وتحويلها الى كابوس عالمي. كل ديموقراطية في العالم وضعت لنفسها هدفا هو الدفاع عن نظامها الديمقراطي والدفاع عن المبادئ الاساس التي يرتكز عليها نظامها. لقد تعلمنا من التاريخ ان الحق في الحرية يتراجع قليلا أمام المصلحة العامة العليا.
اقتراح قانون النكبة لا يُعنى بمشاعر الناس، ذلك أن أحدا لا يمكنه ان يملي على الانسان ما يشعر به. كما ان الدولة لا يمكنها ان تملي المشاعر على سكانها. في الموضوع الذي نحن بصدده، يدور الحديث عن تعبير علني يُعطى لهذه المشاعر. وحسب نظامنا الديمقراطي فنحن نحظر أيضا السماح لأي حزب لا يعترف بدولة اسرائيل بالتنافس في الانتخابات.. هذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعناها أمام حرية التنظيم السياسي، وهذه المبادئ هي اليوم من نصيب القضاء الاسرائيلي.
لقد تحقق استقلال دولة اسرائيل بعد صراع تاريخي طويل جبى ضحايا عديدة. يوم الاستقلال يعبر عن ارادة شعب اسرائيل في العودة الى مصادره واقامة حياة سياسية حرة. ومن يمنح في يوم استقلال الدولة تعبيرا علنيا لمشاعر العزاء والحزن بسبب اقامة دولة اسرائيل، فانه في واقع الامر يتآمر على شخصية وجود الدولة. في واقع الامر يعرض الصراع التاريخي الطويل، الذي دار على مدى الفي سنة وجبى ملايين الضحايا من الشعب اليهودي، كصراع غير عادل.
لا بد من الإشارة إلى أن اقامة دولة اسرائيل لم تكن فقط ثمرة ارادة حرة للحركة الصهيونية. هذا استقلال حظي بالاعتراف من قبل دول العالم في قرار الامم المتحدة في 1947.
لا يعقل وجود واقع يقبل فيه سكان الدولة وجود اسرائيل في كل ما يتعلق بقدرتها على منحهم اياه ـ التعليم، الصحة، مخصصات الاولاد وغيرها من المجالات المشابهة ـ وبعد ذلك يطعنونها بسكين في قلبها، ذلك أن تحويل يوم الاستقلال لدولة اسرائيل الى يوم عزاء هو بمثابة الطعن بسكين في قلب المبرر لوجود الدولة.
يمكن تفهم حقيقة أن تضم الدولة جمهورا يرى نفسه مضطهدا. جمهور يتماثل مع التطلعات القومية للفلسطينيين. كدولة، ليس لدينا سيطرة على هذه المشاعر وليس لدينا أي نية لمحاولة السيطرة عليها والقول ان من يعرب عنها يرتكب مخالفة جنائية. ولكن ثمة مسافة كبيرة بين الحفاظ على مشاعر الانسان وابقائها لنفسه واقربائه وبين التعبير عنها بشكل علني وبطريقة التنظيم الشعبي.
انا أفتخر بأني سوية مع أعضاء الكنيست في حينه، امنون روبنشتاين، روبي ريفلين واسحاق ليفي، نجحنا في ان نمرر في الكنيست في العام 1992 اقتراح القانون الاساس: كرامة الانسان وحريته.
اقتراح قانون النكبة جاء ليضع حدودا معقولة ترمي الى الحفاظ على الطابع الديموقراطي واليهودي لدولة اسرائيل كما صيغت في هذا القانون الاساس الهام.
("اسرائيل اليوم " 26/5/2009)




















