هناك حقائق ثابتة واستراتيجية محددة في السياسة الاميركية الخارجية. ومهما تغيرت الادارات وتبدل الرؤساء فان هذه الاستراتيجية تظل الدليل والموجه والغاية التي يسعى جميع صانعي القرار في الولايات المتحدة إلى تحقيقها باساليب تختلف من رئيس إلى آخر ومن ادارة إلى الادارة التي تليها ومن هنا فان مجال التغيير في الخطوط العامة للسياسة الاميركية يظل ضيقا وهامش التحرك نحو مدارات خارج فلك هذه السياسة محدوداً إلى حد كبير.
والفارق بين ما يعلنه المرشح للرئاسة الاميركية كبرنامج يستقطب اصوات الناخبين وبين قدرته على تنفيذ هذا البرنامج ليس صغيرا او ضئيلا فهناك عوامل ضغط داخلية وخارجية تحد من حركته وهذا ما اتضح على ارض الواقع بالنسبة للرئيس الاميركي باراك اوباما حين حاول تنفيذ وعوده بالانسحاب السريع من العراق خلال 16 شهرا لكن هذا الموعد مدد ثلاثة شهور بسبب ضغوط القادة العسكريين الاميركين.
بل أن قائد الجيوش الاميركية الجنرال كاسي القى بالقفاز في وجه الادارة الجديدة امس الاول معلنا ان قوات قتالية لا يستهان بها ستظل في العراق مدة عشر سنوات على الاقل خلافا لما اعلنه اوباما بهذا الخصوص.مثال آخر على البون الشاسع بين برنامج المرشح وما يستطيع فعله هو قرار اوباما باغلاق معتقل غوانتانامو ، وهو قرار وضع المحافظون العقبات امام وضعه موضع التنفيذ.
وما يهمنا كفلسطينيين هو ما يمكن توقعه او لا يمكن من ادارة اوباما بخصوص قضية الشرق الاوسط وعملية السلام وحل الدولتين والانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 وموقفه من الاستيطان الذي اوجد حقائق على الارض لا يمكن معها تحقيق سلام عادل ومقبول وواقعي كما أن امكانية قيام دولة فلسطينية مع وجود المستوطنات اصبحت مستحيلة فعلا.
اما الواقع السياسي الاسرائيلي المتطرف بوجود حكومة نتنياهو – ليبرمان على رأس السلطة الاسرائيلية ورفضها الصريح لحل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية فهو اكبر تحد يواجهه اوباما اذا اراد تغيير الوضع الراهن ونزع فتيل التوتر وازالة اسباب العنف في المنطقة. بل ان نائب رئيس وزراء اسرائيل موشيه يعالون دعا إلى استمرار الوضع الاحتلالي وادامة الصراع بدلا من حله وذلك من اجل ابتلاع الاراضي الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من ابسط حقوقه.
إن اي تغيير في نهج الانحياز لاسرائيل الذي ابقته ادارة جورج بوش يتطلب نوعا من المواجهة السافرة مع حكومة نتنياهو وقدرا كبيرا من الضغوط على هذه الحكومة لاعادتها إلى صوابها لتستعيد وعيها بمتطلبات العصر وحقوق الشعوب ومفاهيم الانسانية والحضارة التي ترفض سيطرة شعب على آخر والهيمنة على ارضه ومقدراته والتنكر للارادة الدولية والشرعية التي تضمنتها قرارات الامم المتحدة التي نصت على مقايضة الارض بالسلام.
والسؤال هو: هل تمتلك ادارة اوباما هامشا كافيا لتحويل دفة السياسة الخارجية الاميركية نحو اتجاه يؤدي إلى السلام العادل الذي يعيد الحقوق الفلسطينية والعربية ام أن الاستراتيجية الثابتة للولايات المتحدة والضغوط الداخلية والخارجية ستبقي على المسار الراهن لسياسة الولايات المتحدة، وما هو الموقف العربي والاسلامي والدولي في الحالتين كلتيهما؟
القدس




















