– القاهرة
تمضي المواجهة الهندية-الباكستانية في وتيرة متصاعدة منذ تفجيرات مومباي التي وقعت نهاية العام الماضي وحتى اللحظة، وهي التفجيرات التي انتقصت كثيراً من هيبة الدولة الهندية في محيطها الجغرافي. وقتها اتهمت الهند المخابرات الباكستانية بالتخطيط لهذه الهجمات وأخذت تدرس احتمالات الرد المعقدة، نظراً الى امتلاك كل من الهند وباكستان قدرات نووية، وهو ما يفرض سلوكاً معيناً على المتصارعين. ويعني امتلاك الطرفين القدرات النووية أن احتمالات الحرب العسكرية بينهما قد أصبحت ضئيلة جداً، لأن كل طرف يعرف جيداً مقدرة الطرف الأخر على القيام بضربة ثانية. وبالرغم من ذلك كان متوقعاً أن تقوم الهند بعمل انتقامي ضد باكستان للحفاظ على هيبتها أمام جارتها اللدود، وبحيث يكون سقفه الأعلى أقل من هجوم نووي مع مراعاة عدم الاصطدام بالمصالح الأميركية في باكستان، أما سقفه الأدنى فهو أكثر من مجرد تعويض الهيبة الهندية وتسديد ضربة موجعة إلى باكستان.
وقع انفجار ضخم أخيراً في مبنى المخابرات الباكستانية في مدينة لاهور الباكستانية، قتل على أثره 23 شخصاً على الأقل وجرح 250 آخرون. وإذ أكدت الداخلية الباكستانية أن الانفجار له علاقة بمقاتلي "طالبان" باكستان، فإن المتابع لتفاصيل الصراع بين الهند وباكستان يعرف أن نيودلهي أرسلت رسالتها العنيفة أخيراً إلى المخابرات الباكستانية عبر استهداف مبناها في لاهور حتى عبر متطرفين إسلاميين. توخت الهند أن يكون الرد موزوناً وعنيفاً في آنٍ واحد، حتى لا تزيد من ورطة الحكومة الباكستانية، وبالتالي يرتد الوضع سلباً عليها وهي التي تخشى من وقوع القدرات النووية الباكستانية في يد الجماعات المتطرفة. وتتشارك واشنطن مع الهند في تخوفاتها بحيث تراودها كوابيس وقوع الرؤوس النووية في أيدي "طالبان" أو جماعات متشددة أخرى، ولذلك فهي تريد من الحكومة الباكستانية أن تركز على حدودها الغربية مع أفغانستان لقمع "طالبان" بشقيها الأفغاني والباكستاني، أما إسلام آباد فهي تركز تقليدياً على حدودها الشرقية مع الهند، جارها الأكبر والأقوى، والذي تستشعر تقليدياً وتاريخياً أن الخطر يأتي منه.
وإذ قامت الدولة الباكستانية في العام 1947 على جزء من الهند التاريخية، فتقسمت شبه الجزيرة الهندية بين الهند وباكستان التي يضم اسمها الأعراق والمناطق المكونة لها (الباشتون والمهاجرين الهنود وإقليم كشمير وإقليم السند)، فإن الاسم يعني في النهاية الأرض (ستان) الطاهرة (باك). ومع ولادة الدولة الباكستانية فقد ولدت معها المقارنة مع الهند، إذ ينقص باكستان العمق الإستراتيجي الكبير الذي تمتلكه الهند، كما تنقصها الفاعلية الاقتصادية وكفاية النظام السياسي الهندي. ولذلك فقد توخى مؤسسو باكستان إسناد بلادهم وإرساء استقرارها على عمودين:
الأول تمثل في أسلمة المجتمع الباكستاني بهدف تجذير التناقض مع الهند الهندوسية من ناحية، وبغرض ربط الأعراق التي تكوّن باكستان الحالية برباط وحدة الدين عوضاً عن وحدة القومية من ناحية أخرى. ويمكّن هذا العمود الديني باكستان من تمتين وشائج العلاقات مع إقليم كشمير، المقسم بين الهند وباكستان، والجهاديين فيه وتطويرها لوضع الحكومة الهندية تحت الضغط قبل أن تفكر الهند في الضغط على باكستان. والطريقة نفسها تمت حياكتها مع حركة "طالبان" الباشتونية في أفغانستان، وهي التي خلقتها المخابرات الباكستانية من عدم الخواء الفكري والتنظيمي، وساعدتها،
ومولتها لتتولى الحكم في أفغانستان من عام 1996 وحتى نهاية 2001.
وتمثل العمود الثاني لإسناد الدولة الباكستانية بالترسانة النووية التي تمثل الرادع الأساسي في مواجهة الهند، وأداة الدفاع الناجعة في مواجهة هجوم محتمل خصوصاً في ظل التفوق الهندي التقليدي عسكريا واقتصادياً وبشرياً.
تنهض التقديرات الهندية في تقويم علاقتها الصراعية مع باكستان على معطيات أساسية أوردها مركز الأبحاث التابع لوزارة الدفاع الهندية: أولها أن جهاز المخابرات الباكستاني (أي إس أي) هو الذي خطط لهجمات مومباي، وهو ما يعني أن أجزاء على الأقل من الحكومة الباكستانية دبرت لهذه الهجمات أو علمت بها قبل وقوعها في الحد الأدنى. وثاني المعطيات الهندية يتلخص في أن «عسكر طيبة» التي نفذت هجمات مومباي هي مجموعة كشميرية تربت في أحضان المخابرات الباكستانية ولكنها احتفظت لنفسها بمسافة عنها منذ 2002، وهو الأمر الذي يجعل المخابرات الباكستانية – من المنظار الهندي- مسؤولة عن تفجيرات مومباي؛ ولو لم تُصدر الأوامر بتنفيذها لأنها غضت البصر عنها. كانت الهند قد طلبت قبل شهور تسليمها عشرين شخصية باكستانية، بينهم الجنرال حميد غول الرئيس السابق لجهاز المخابرات الباكستانية الذي يعتقد بصلاته الواسعة والمتشابكة مع الإسلاميين الباكستانيين، التي تقول الهند إنهم متورطون في العملية الإرهابية.
تعلم الهند جيداً صعوبة تنفيذ ذلك، ولكنها تريد تشديد الضغط السياسي على إسلام آباد وأن تفاقم التناقضات الداخلية الباكستانية التي تبدو اليوم واضحة أكثر من أي وقت مضى. ولأن باكستان تتحفظ منذ سنوات تضع العالم النووي الباكستاني ذا الشعبية الواسعة، عبد القدير خان، تحت الإقامة الجبرية، وهو ما يسبب خسارة شعبية واضحة للنظام، باعتبار أن غالبية الباكستانيين يعتبرونه "بطلاً قومياً"، فإن إجراء مماثلاً يطول الجنرال حميد غول سوف يكون أمراً غير مقبول شعبياً في باكستان وبحيث يمكن أن يسقط الحكومة فعلاً.
تخشى باكستان من تكثيف الضغوط عليها لنزع قدراتها النووية منها بحجة أنها يمكن أن تسقط في يد الإرهابيين، ولذلك فقد بادر رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني بتصريحات قبل أيام يؤكد فيها على مناعة القدرات النووية الباكستانية وأنه لا يمكن اختراقها. وساهم في زيادة الأزمة الباكستانية أن جهاديي أفغانستان وكشمير، حلفاء الأمس، قد انقلبوا على باكستان بسبب تغليبها لاعتبارات التحالف مع واشنطن في "الحرب على الإرهاب". وهكذا فبدلاً من أن يصبحوا ذراع باكستان الطويلة لمقارعة الهند خارج الحدود، فقد ارتدوا سلباً إلى داخل الحدود مهددين تماسك الدولة الباكستانية ذاتها.
ترتجف باكستان الآن بفعل تفجيرات لاهور، والتي يبدو على السطح أن منفذيها من المتطرفين الإسلاميين، في حين أن منطق وتاريخ الصراع الهندي-الباكستاني يقول أن هذه الهجمات هي رد هندي محتمل على تفجيرات مومباي. ويشدد تحول حلفاء الأمس الجهاديين إلى أعداء اليوم، بالتوازي مع ضغط الهند ومن خلفها الولايات المتحدة، الخناق على إسلام آباد، بحيث تبدو خياراتها متقلصة أكثر من أي وقت مضى.
يتمثل الخيط الأساسي الناظم للأحداث في الملعب الباكستاني الآن في حقيقة أن أحداث الحادي عشر من ايلول الإرهابية قد ضربت -في ما ضربت- استقرار باكستان ومكانتها الدولية والإقليمية، وان تداعياتها تظهر إلى السطح الآن في صورة أزمات مكتومة وعلنية وضغوط مكثفة.
يبقى صراع الأفيال بين الهند وباكستان خطيراً إلى الدرجة التي لا يمكن تصورها الآن، ولكن إدارة الصراع بين الطرفين تظل درساً
كبيراً لكل من يريد أن يتعلم ويستزيد فناً من فنون الإستراتيجية العليا.
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة )




















