حازم صاغيّة
مفهوم أن لا نريد الإقتراب من أميركا. ما هو غير مفهوم أن لا نريد لأميركا الاقتراب منّا.
فأيّ استجابة لخطاب باراك أوباما يتوقّعها المرء من ممانع نزيه ومستقلّ، ممانعٍ يريد فعلاً حلاًّ عادلاً للنزاع الفلسطينيّ/العربيّ-الإسرائيليّ، ويرى أن إدارة بوش السابقة سلكت، حيال العرب، سلوكاً عدوانيّاً وأنّها عقّدت إمكان التوصّل إلى الحلّ المذكور؟
مثل هذا الممانع النزيه والمستقلّ كان ليتوقّف مليّاً عند حدوث اختلاف كبير في النبرة عمّا كان معهوداً إبّان الإدارة السابقة، وعند وجود تباين جدّيّ، هذه المرّة، عن سياسات الحكومة الإسرائيليّة وتوجّهاتها. لكنّ الممانع النزيه والمستقلّ لا بدّ أن يمضي مصرّاً على الانتقال من النبرة، وكلّ شيء يبدأ بها، إلى المضمون: فالمطلوب من أوباما أن يضع خطّة ضغط على إسرائيل في ما خصّ حلّ الدولتين والاستيطان وباقي المسائل، وأن يرفق ذلك بجدول زمنيّ. بيد أن الممانع النزيه والمستقلّ، والمسؤول، لن يلبث أن يسجّل الدور الذاتيّ المطلوب لتسهيل هذه العمليّة: ذاك أنه إن لم يكن لنا، فلسطينيّين وعرباً ومسلمين، أيّ دور ذاتيّ نلعبه في هذا، واكتفينا بتوكيد ضحويّتنا، كنّا أشبه بالعطالة والزائدة التاريخيّتين.
لقد سمعنا مثل هذا الصوت صادراً عمّا يُسمّى بالاعتدال العربيّ، لكنّنا لم نسمعه يهبّ من ضفّة الممانعين. فالدور الذاتيّ، عند هؤلاء الأخيرين، اختفى كلّ ذكر له بتاتاً. أمّا الإشارة إلى الاختلاف عن بوش، والخلاف مع نتانياهو، فوردت في عبارات سريعة محاطة بالمزدوجات ومقفلة بعلامات الاستفهام والتعجّب. وأمّا الطاغي، في استجابة الممانعة، فكان التنبيه من الاستمراريّة الأميركيّة حتّى «لو غيّرت الأفعى جلدها». وهنا، ومرّة أخرى، التقت الروافد الكثيرة لوعي واحد، فحضر الشعر والفصاحة حيث أوباما «يعطيك من طرف اللسان حلاوة…» حضور مناهضة الإمبرياليّة استناداً إلى تحليل اقتصاديّ!
كيف لا والمطلوب من الرئيس الأميركيّ أن «يأمر» إسرائيل فتطيع، تماماً كما يفعل المستبدّون في هذا الجزء من العالم، حين يأمروننا فنستجيب قبل أن ينتهوا من التفوّه بالأمر، وإلاّ…!
هؤلاء لا يستوقفهم بتاتاً حجم لقائهم «الموضوعيّ» مع التوجّهات الأكثر يمينيّة في الحكومة الإسرائيليّة المستاءة جدّاً من أوباما. ولا يُقلقهم، واشتباكات قلقيلية تعيد التذكير بواقع الحال، أن الاستيطان المتوحّش يقضم احتمال الدولة الفلسطينيّة، فيما النزاعات المفتوحة تنهش مجتمعاتنا واحداً بعد الآخر. ولا تحدوهم أيّة رغبة في التمايز عن استقبالي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري للرئيس الأميركيّ، أو عن استقبال محمود أحمدي نجاد له بتجديد التوكيد الخارق على أن المحرقة اليهوديّة «خديعة».
وأخطر من كلّ ما عداه، لدى هؤلاء، نفي السياسة واستبعادها كليّاً: فإذا لم يكن هناك فارق جدّيّ بين أيّ رئيس أميركيّ وأيّ رئيس آخر، وإذا كان الرئيس الأميركيّ الوحيد المقبول هو الذي يعمل لـ «تحرير فلسطين من الكيان الصهيونيّ المغتصب»، عند ذاك تغدو أميركا جوهراً منحطّاً، ثابتاً وخالصاً، في وجه جوهر آخر، يفيض ضحويّةً ونبلاً، هو نحن. غالب الظنّ أن غياب مثل هذه الهواجس يرجّح الاعتقاد بأن الممانعة الرائجة ضعيفة النزاهة والاستقلاليّة، وأنّها أضحت أشبه بأداة مهمّتها خدمة مشروع إستراتيجيّ ترمز إيران إليه اليوم، وتحوم على أطرافه «القاعدة». وإيران (و»القاعدة») ليست في وارد تلك الملاحظات لأنّها لا تريد للحلّ، أيّ حلّ يخصّنا، أن يقلع. منطق إيران في سلوكها هذا مقنع. غير المقنع منطق ممانعينا العرب.




















