رام الله – من محمد هواش:
مع انعدام ثقة الفلسطينيين تاريخياً بسياسة الادارات الاميركية المتعاقبة حيال القضية الفلسطينية وبامكان ان تقف أيّ منها الى جانب الفلسطينيين لجهة انهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة دولة فلسطينية، يرى الفلسطينيون على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم في خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما في القاهرة انه خطاب جديد يتعلق برؤى لا بخطط سياسية.
ويدرك الفلسطينيون ان الرؤى العالمية لحل الدولتين صارت شائعة مع انتشار الوعي الجديد لثورة الاتصالات وباتت اكثر وضوحا منذ شن الرئيس الاميركي السابق جورج بوش وفريق المحافظين الجدد الذي احاط به في ولايته الاولى "حرباً صليبية" على الاسلام والمسلمين في اطار الانتقال من عملية السيطرة على نفطهم الى محاولات الهيمنة المطلقة على منابع الطاقة في العالم، تلك التي بدأت باحتلال العراق ولم تنجح حتى تتكرر في دول اخرى مع ان هذه السياسة اخذت الفلسطينيين في طريقها وبـ" الرجلين " كما يقال .
كما لم يسمع الفلسطينيون جديداً عن رؤية الرئيس بوش التي عرضها في نيسان 2002 عندما كانت الدبابات الاسرائيلية تختبر في رام الله وهي تحاصر مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، امكان تغيير مكانة الاراضي الفلسطينية، ومكانة القضية الفلسطينية، ومكانة السلطة الفلسطينية، في مشروع التسوية المتعثر.
وقد عرض بوش في خطابه انئذ رؤيته القائمة على حل الدولتين، وعلى ضرورة ان تفكك اسرائيل البؤر الاستيطانية التي انشأتها مع اندلاع الانتفاضة الثانية في ايلول 2000، الى التأكيد في سياسته لا في رؤيته على إقامة دولة فلسطين الى جانب دولة اسرائيل، وضرورة تغيير القيادة الفلسطينية، متطابقا في ذلك مع موقف اسرائيل القائل بعدم وجود شريك فلسطيني في حل الدولتين، وتطبيقها حلولا احادية مثل الانسحاب من غزة من دون ترتيبات مع السلطة الفلسطينية، ومن دون تسليمها المناطق التي اخلتها اسرائيل، بل وتحميل السلطة الرسمية بقيادة الرئيس محمود عباس وجميع الفلسطينيين نتائج فشل السياسات الاحادية الاسرائيلية، واختراع ذريعة جديدة اليوم تتمثل في جملة يكررها كل مسؤول اسرائيلي يطلب اليه التعليق على تفكيك الاستيطان استعدادا لتطبيق حل الدولتين تقول " انسحبنا من غزة فتلقينا ارهابا. فكيف تريدون انسحابا مماثلا في الضفة؟".
اسرائيل لم تيأس من البحث عن شريك فلسطيني للحلول الاحادية الاسرائيلية. وهي لذلك تعبر عن القلق بل عن الهلع من امكان تحويل رؤى اوباما التصالحية والاعتذارية من المنطقة وشعوبها الى خطط سياسية. والهلع الاسرائيلي صار ملموسا في وسائل الاعلام مع أن الدولة العبرية تراهن اليوم على اطالة المسافة بين الرؤى والخطط على امل ان تتغير الاوضاع وتذهب رؤى اوباما ادراج الرياح مع رؤى بوش التي بقيت اداة احتواء للمقاومة الفلسطينية . مع ان مصادر سياسية مقربة من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اعربت اخيرا عن تقديرها بأنه "لن يكون مناص من تبني صيغة حل الدولتين لأن الولايات المتحدة لن تتنازل عن هذه الصيغة". واقترحت هذه الاوساط حلا وسطا مفاده ان "تتبنى اسرائيل صيغة خريطة الطريق للوصول الى هذا الحل".
مع ذلك، فان "خطاب الرؤى" من القاهرة لا يعني ان رؤساء اميركا كلهم كانوا ولا يزالون حتى اليوم متشابهين في سياساتهم ورؤاهم حيال فلسطين وقضيتها. كما ان ذلك لا يعني ان اوباما لا يفعل شيئا في هذا الاتجاه. فهو اعلن ان مبعوثه الى الشرق الاوسط جورج ميتشل الذي تمكن من احداث اختراق في ايرلندا هو المكلف اعداد هذه الخطط السياسية وانه يقوم بجولات في المنطقة الى جانب قراره بفتح مكتب وممثلية دائمة له في القدس. وخطط الرجل تبدأ من الوقف التام للاستيطان قبل تفكيكه وهذه نقطة جوهرية اكثر اهمية من كل احاديث اوباما عن حل الدولتين، لأن لا معنى لأي رؤية اذا تواصل الاستيطان الذي هو الاحتلال بعينه في الاراضي الفلسطينية، فضلاً عن انه اداة انتاج الخوف والكراهية المصطنعة ضد الفلسطينيين والعرب المساوية لـ"الغوييم" (الآخر) في اليهودية السياسية، اذا جاز التعبير، وفي الثقافة الاسرائيلية عموما، علماً ان ادوات قياس الرأي في اسرائيل تلحظ استعدادا للانسحاب من الضفة ولا تلحظ استعدادا لدفع الثمن.
والى ميتشل، ثمة عدد من اركان الادارة الذين عبروا بكلمات واضحة لا لبس فيها ان جديدا في العلاقة بين واشنطن واسرائيل قد بدأ انطلاقا من الرابط والعلاقة المميزة بينهما، وان حل الدولتين هو مصلحة اميركية واسرائيلية، وان احد اهم معوقات هذا الحل مواصلة اسرائيل الاستيطان في الضفة، والتذرع بكذبة النمو الطبيعي وتصوير الوضع كأنه لا توجد لدى اسرائيل اماكن سكن الا في الضفة الغربية ولا ازواج شابة الا بين المستوطنين، وهذه كذبة اسرائيلية ثانية لا مجال للرد عليها الان.
بعض الاركان في ادارة اوباما بدأ الحديث عن خداع اسرائيلي وعن مماطلة، ومنهم من قال كفى، ومنهم من توعد. لكن اوباما التصالحي مع العالم لا يمكنه ان يكون غير تصالحي مع اسرائيل الصديقة والربيبة من دون ثورة… او انقلاب في الوعي وفي المصالح وفي طريقة تحقيقها.
هل يصحح اوباما خطا تاريخيا من طريق استعداء العرب بدل استرضائهم لتوفير مصدر اساسي ومهم للطاقة في العالم؟ ام تتغلب المصالح الخاصة لجماعات الضغط الاميركية فتمنع هذه الرؤى من المساس بما يعد " تابو" في السياسة الخارجية الاميركية. أي المساس بما تريده وتقرره اسرائيل في القضية الفلسطينية؟
مع ان الرياح تهب لهذه الجهة، فالسؤال كبير، والاجابة خطرة، والايام كفيلة بتظهير المسافة بين الرؤى والانقلاب.
"النهار"




















