في لبنان المفاجآت في نتائج الانتخابات قد تترك خطوط التماس قائمة، لأن الفرقاء تربطهم المصالح الفئوية قبل غيرها، وتاريخ هذا البلد منذ الاستقلال وهو مليء بالحروب والتكتلات الحزبية والطائفية، والانفتاح على الثقافات والشعوب بدون عُقد مسبقة، والازدهار ثم هدم ما بنته سنوات السلم، وكلها أعراض لبنانية فريدة في إيقاعها وتلوّنها..
فالسنة ضد السنة، وشيعة موالون ومنقسمون، ومسيحيون يتعاملون بقدم مع ، ويد مع آخر، ومراكز القوى تغيرت وأحدثت ما يشبه الانقلاب داخل بيئة غير مستقرة..
فالجيش له بعض السيطرة، وحزب الله القوة الأكبر والأهم، وإسرائيل تراقب الدورة الانتخابية بمفهوم الجبهة الساخنة على حدودها، ومع ذلك فهي جزء من الشعارات المرفوعة بين من يعتبرها زائلة بحتمية صراع الوجود، وآخر يراها حقيقة ثابتة لا يمكن تجاوزها باعتبار الأمر الواقع، وهناك قوى عربية، وإقليمية ودولية جاءت في صلب منافسة الانتخابات، والغريب في كل هذا أن شعار سلامة الوطن وتنميته، والتعايش بين مختلف الفصائل يأتي بدرجات دنيا، إن لم يكن خارج الاهتمامات..
أمريكا وفرنسا حاضرتان بقوة، ولا تريدان أن يكون حزب الله متفرداً بالسلطة والمجابهة، وإن لم يصل هذا الأمر إلى العلن أو السقف الأعلى، فغالبية أصحاب الانتماءات السريعة التغير تطرح بُعدها من خلال الاستقواء بالآخر، وهو جزء من الحالة اللبنانية العجيبة والغريبة..
هناك من لديه القناعة أن الاقتراع سيكون حراً، لكنه لن يخضع للنوايا الحسنة أمام الأحكام المسبقة التي يطلقها كل طرف، ومع انتشار الوعي وتقلص الأمية إلا أن الغايات تبقى هي من يدير المعركة، وبالتالي من الصعب إلى آخر لحظة، التنبؤ بمن يفوز أو يخسر تبعاً لهذه التقلبات..
لبنان يمر بمرحلة حاسمة ومعقدة، ليست الخوف من العودة إلى الحرب الأهلية لأن مضامينها غير مهيأة، ولكن قد تكون المسألة أخطر لو تحولت الاتجاهات إلى مبارزة سياسية تعود إلى تهيئة ظروف أكثر سخونة وتمهد لما هو أسوأ..
فمن يعتقد، في أي حالة انزلاق خطر، أن البوارج الأمريكية والفرنسية ستصل إلى الشواطئ اللبنانية، فهذا أمر غير وارد تماماً لأن الحروب بالمنطقة أصبحت مأزقاً حاداً، لكن إسرائيل قد تخلق مشكلة ما لو تعرضت لاستفزاز تفسره بالخطر على أمنها، وقد تتشابك مع خط إيران الساخن والذي أيضاً يمر بحالة انتخابات جديدة يتنازع عليها المتشددون والانفتاحيون مما يعزز جبهة أي فئة تختار مواقف فتح جبهة حرب مع إسرائيل وبحسابات خاطئة تأتي لتعزيز نفوذ حزب الله..
لكن جميع هذه الخيارات محتملة بدرجات متغايرة، والأوفر حظاً أن الفرقاء ربما يجدون أسهل الطرق هو التفاهم على القبول بالواقع، والتفاهم على خارطة طريق يتساوى فيها الجميع بالتنازلات والحقوق، لأن قابلية التصعيد ليست في صالح الموالاة أو المعارضة..
وحتى تعلن النتائج فالمتشائمون من داخل لبنان وخارجه يعتقدون أن الاختبار لهذه المرحلة لا بد أن يفرز تعاوناً يصل بالجميع إلى نقاط التلاقي، لأن البديل ربما يكون صعباً، وعملية خلط الأوراق قد تأتي بنتائج يخسرها الجميع حتى مع تفاوت القوى ورصيد المؤيدين..
الرياض




















