يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع ما يمكن وصفه دون مبالغة بأنه أهم جزء في هذا الكتاب، حيث يطرح المؤلف استراتيجية مقترحة لإدارة أوباما للتحرك النشط في المرحة المقبلة، تتألف من 12 بندا، تبدأ من التأكيد على ضرورة الاعتراف بالعجز بشأن ظاهرة العولمة، وتنتهي بالتوصية بأن تروج أميركا لهذه الاستراتيجية لدى أطراف اللعبة الدولية على المستوى العالمي.
ويتوقف القارئ طويلا في متابعته لهذه البنود عند البند الخامس الذي يشدد على ضرورة اعتراف الأميركيين أمام العالم بما ارتكبوه من أخطاء فادحة في كل من العراق وأفغانستان، ربما في ضوء النتائج المروعة التي ترتبت على الغزو الأميركي للبلدين، حتى بالنسبة للأميركيين أنفسهم.
ومن المحقق أن القارئ سيتوقف طويلا أيضا عند البند الحادي عشر، حيث يقترح المؤلف على الإدارة الأميركية الجديدة أن تتوجه إلى القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين ومد جسور العلاقات معها، وهو يؤكد أنه بدلا من احتواء بكين ينبغي توجيه صعودها بما يتوافق مع المصالح الأميركية.
مع سطور الفصل الثاني من الكتاب، يتحول بنا المؤلف من مرحلة تشخيص المشاكل التي أصابت المسيرة الأميركية خلال سنوات بوش الثماني الماضية إلى مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها الوصف التالي: مرحلة الانتعاش أو الإبلال أو استرداد العافية.
ومنذ البداية يعترف مؤلف الكتاب بأن تلك السنوات الثماني كانت عجافا بكل معنى (نلاحظ أنه يصفها باستمرار بأنها إدارة بوش ـ تشيني في إشارة لماحة من جانبه بأن نائب الرئيس كان يمثل قطبا بالغ التأثير في تسيير الأمور، أو كان «مركز قوة» كما تقول مصطلحات السياسة العربية).
وقبل وصف سبل العلاج يمهد المؤلف بسطور يقول فيها: على مدار السنوات الثماني الماضية، ظلت أميركا محصورة بصورة أو بأخرى ضمن سياج عزلة غاضبة تجتّر مخاوفها وتتبلغ بمشاعر الحنق والحقد التي استبدت بكيانها. وأرى أن علينا أن نكف النظر إلى القضايا من قاع الزجاجة. ومن ثم نتبع سياسة (اقتل أولا.. وبعدها يبدأ التحقيق).. وهو مبدأ الانفراد بالقرار دون مشاورة أحد، وهو الكفيل بأن لا يوصلنا إلى أي نتيجة، في إطار عالم متزايد فيه أواصر التواصل ودواعي التجمع.
في هذا السياق نسجل لمؤلف الكتاب، بكل خبرته الواسعة، والموسوعية في آن، ذلك الاتجاه نحو الاعتراف بالخطأ أمانة مع النفس ومع الأحداث ومع التاريخ.
يواصل المؤلف حديثه فيقول: نحن (الأميركيين) بحاجة إلى أن نعترف بما ارتكبناه في الماضي من أخطاء.
استعادة اميركا
ثم يعترف كاتبنا قائلا: ان العالم يتوق إلى استعادة أميركا إلى صفة وإذا ما توخينا محاولة إصلاح النفس، فإن أمامنا 12 خطوة يمكن أن توصلنا الى هذا الهدف المنشود. ثم يعدد الكتاب هذه الخطوات ال12 على الوجه التالي
(1) الاعتراف بسلوك العجز بشأن ظاهرة العولمة.
في هذا السياق يرى المؤلف أن العولمة أشبه بصندوق باندورا في أساطير الإغريق، بمعنى أنها مستودع إذا ما كشفنا غطاء لاندفعت في وجوهنا صنوف الشرور والسلبيات.
على أميركا تناقض السلوك: بين الدعوة إلى أن يصبح العالم قرية واحدة أو أن تصبح الكرة الأرضية مسطحة بمعنى متواصلة الأرجاء ومتكاملة العناصر والأجزاء على حد ما ذهب إليه الصحافي الشهير توماس فريدمان، ولكن يناقض هذا كله تيارات تجنح إلى العزلة وتؤكد الانفراد بالرأي والرؤية، ورغم أن أميركا في الأساس أمة تألفت من أفواج المهاجرين، إلا أن كل زمرة تهاجر إليها لا تلبث أن تفضل إغلاق الأبواب من خلفها كي لا تلحقها على طريق الهجرة أفواج أخرى.
(2) ضرورة توحيد الصفوف ومحاولة إزالة التناقضات بين الأجيال.
تجلت هذه التناقضات ـ كما يفسر المؤلف ـ في نظرة أجيال الأميركيين إلى بلد صاعد حاليا في مراقي النفوذ الدولي وهو الصين:
ما زال الجيل الذي شب في عقد الخمسينات يرى أن الصين نظام شيوعي عنيف ومغلق لا يمكن الوثوق به قيد أنملة.
أما الجيل الذي شب في الستينات فلا يكاد يرى في الصين سوى مشاهد الشظف وصور المجاعة والحرمان.. (ما زال مؤلفنا وهو ينتمي إلى الجيل المذكور.. يستعيد كلمة الأمهات في تشجيع الأطفال الأميركيين على التهام الطعام والكلمة هي: لا تترك من طعامك شيئا.. الأولاد في الصين يتضورون جوعا.
بعدها بدأت أجيال الأميركيين، ولا سيما صانعو السياسة، في تغيير النظرة إلى الصين تحت شعارات من قبيل احتواء التنين الأصفر.. الخ، فما بالك وقد جاء أوباما وجيله إلى البيت الأبيض وحلت معهما الأزمة الاقتصادية، بينما تواصل الصين سياسيا واقتصاديا خطواتها في مدارج الصعود.
(3) ضرورة التنسيق بين القرارات والإمكانات.
وهنا ينتقد المؤلف غياب التنسيق بين قرار من قبيل كسب عقول وقلوب الشعوب.. وبين عدم تزويد هذا القرار بالإمكانات والموارد اللازمة من أجل أن يوضع موضع التنفيذ. وهنا أيضا ينصح المؤلف بلاده بأن تحشد إمكاناتها العسكرية، لا لكي تخوض حروبا عالمية تستدعي ضخامة عتاد القوات.. في حين يتوجب عليها إنفاق المزيد في مجال العمليات الخاصة ولكسب ثقة الشعوب والأفراد بما ييسر حياتهم ويفصل بينهم وبين عناصر العنف أو التحريض.
(4) لا بد من إعادة النظر بأمانة أخلاقية في شعار «الحرب على الإرهاب».
وهنا يدعو المؤلف إلى طرح تعريف أفضل وأعمق وأعدل للأعداء والحلفاء.. ويحذر من الانسياق ـ غريزيا كما يقول ـ وراء تفسير أي صحوة (يقظة) دينية على أنها علامة تشير إلى تزايد تيار الأصولية، في حين أن مثل هذه الصحوة (هل نسميها النهضة) قد تكون محاولة (محمودة وإيجابية) للتوثيق أو الملاءمة بين الأصالة والمعاصرة.
تصحيح صورة المسلم
يواصل المؤلف حديثه قائلا (ص 47): علينا أن نفصل بأمانة أو نميز بدقة في تصوراتنا لما يسمى بالتهديد الإسلامي. ليس كل مسلم شخصا يؤمن بعنف الأصولية أو بإطلاق شعارات الجهاد (ضد غير المسلمين). بل ان كثيرا من المسلمين يعيشون ويتألقون وتزدهر حياتهم في ظل ديمقراطيات السوق.. لا في إطار الغرب وحسب ولكن أيضا في أقطار شتى في جنوب وجنوب شرقي آسيا حيث تتواجد أكبر كثافة سكانية من شعوب المسلمين.
(5) فلنعترف (الأميركيين) أمام العالم بما ارتكبناه من أخطاء في ساحتي العراق وأفغانستان.
في العراق ـ يعترف المؤلف ـ كانت إدارة بوش أشبه بالشرطي الأرعن المغامر الذي يبادر إلى قتل أي شخص يراه تحت شعار.. «لقد كان يحوز مسدسا». وكانت النتيجة أكثر من 3000 قتيل أميركي وأكثر من 10 آلاف جريح.. بهذا يطالب المؤلف إدارة أوباما المستجدة بأن تحذو في خططها حذو ما سبق اتباعه في منطقة البلقان على مدار عقد التسعينات، بمعنى عدم المغامرة بفتح جبهات جديدة للقتال والاكتفاء بمواجهة هذا التحدي إلى حين الفراغ منه ثم التحول للتصدي إلى تحد آخر.
(6) هذه الأخطاء المعترف بها سوف تدفع أميركا إلى إعلان استعدادها للتعاون بغير حدود مع المجتمع الدولي.
لقد تأخر هذا الاستعداد بعد أن ظلت إدارة بوش تستأثر من جانبها بعمليات توقيف المشتبه بهم وإيداعهم معتقلات خاصة بها سواء في أبو غريب أو في غوانتانامو.. مع رفض التعاون مع قضاء المحاكم الجنائية الدولية، رغم أن هذه المحاكم التي أنشأتها الأمم المتحدة يمكن أن تكون مفيدة في إقامة العدالة. ومن هنا تأتي دعوة مؤلف الكتاب للاعتراف بتلك الساحات القضائية الدولية.. مؤكدا في هذا المجال ما يلي: علينا أن ننضم من جديد إلى العالم المتحضر.
(7) اطلبوا بكل تواضع من الرئيس أوباما أن يعدل عن سياسة الانفراد واحتكار الرأي (على نحو ما سارت عليه إدارة بوش).
يرى المؤلف أن أسوأ فترة من حكم بوش كانت آخر سنتين من الولاية الثانية ـ حيث بدد أركان تلك الإدارة ما سبق وحازته بلادهم من تعاطف عالمي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. ولا أدل على ذلك من أن أصبحت إدارة بوش تعامل الحلفاء بأسلوب أقرب إلى التهوين والازدراء.. والحاصل أن فقدت واشنطن رغم ما كسبته من تفاهم أو تعاطف أهم عنصرين في أي عمل سياسي وهما:
ـ عنصر الفرصة السانحة التي ضاعت.
ـ عنصر الزمن الذي راح ولن يعود.
(8) مطلوب إعداد قائمة جرد تحتوي حصرا أسماء الدول التي أساءت إليها إدارة بوش مع الاستعداد لترضية مثل هذه الأطراف.
هنا يحاول المؤلف تركيز الحديث على منطقة الشرق الأوسط. وهو يوافق (ولا نوافق معه) على ما ذهب إليه تشيني نائب الرئيس بوش من أن الحرب ستكون طويلة (ص 60) ضد التطرف الراديكالي الإسلامي (على حد تعبيره) ولكن المؤلف لا يلبث أن ينتقد افتقار تلك الإدارة بالذات إلى أي رؤية استراتيجية متكاملة (هل نقول راشدة أو موضوعية) إزاء أوضاع منطقة الشرق الأوسط. وكان بديهيا أن تؤدي هذه السلبية إلى عدم مراعاة تشابك المصالح بين قوى ودول وشعوب عديدة في ساحة المنطقة، تركيا ودورها الإقليمي، إيران وعلاقاتها في العراق، وفي سوريا ولبنان، الهند وعلاقتها بمنطقة الخليج، اليابان واحتياجاتها إلى نفط الشرق الأوسط، الصين ونفوذها الاقتصادي المتصاعد في بلد مثل باكستان.
والحاصل أنه في حال الموافقة على حرب طويلة مع التطرف فإن هذه الحرب ـ في رأي المؤلف ـ لا تخص أميركا، وليست حكرا عليها بحال من الأحوال.
(9) هنا التركيز على ما يسميه المؤلف باسم «عناصر اللا دولة»، وهو يطالب إدارة أوباما الجديدة بالاهتمام قدر الإمكان بهذه الفعاليات التي لا تتسم أساسا بالصفة الرسمية، ولكن بشرط عدم المساس بالمخالفات الأصلية القائمة رسميا بين دولة أميركا وبين سائر الدول في العالم.
أهمية عنصر الشفافية
وهنا أيضا يرفض المؤلف القول ان واشنطن هي مركز إدارة أميركا، وان البنتاغون ـ ودوائر الحرب هي محور واشنطن نفسها، وهو يؤكد حقيقة باتت تتجلى في أكثر من سياق، وهي أهمية مؤسسات المجتمع المدني وما في حكمها من منظمات مهنية وثقافية وإعلامية وتقنية، فضلا عن منظمات حقوق الإنسان والحريات الأساسية وكلها تتعامل وتتفاعل على ساحة دولية، بل كوكبية عريضة وفعالة إلى حد بالغ التأثير.
وقد نحمد للمؤلف في هذا الصدد بالذات تركيزه على أهمية توافر عنصر الشفافية في التعامل بين عناصر اللا دولة في سائر البلدان، هذه العلانية.. الكاشفة، بل هذه المصارحة والشفافية هي الكفيلة بأن يكون التعامل في ضوء النهار وبالتالي ينطلق من موقف الندية والأمانة وشراكة القضايا المشروعة.
(10) مواصلة توخي هدف التشجيع على سرعة التحول الديمقراطي.
هنا يحاول كتابنا التمييز بين جانبين أساسيين في هذا المضمار وهما: الالتزام.. والمثابرة.
ويسوق في ذلك مثالا من عندياته حين يوافق إدارة بوش ـ تشيني على أنها كانت ملتزمة بما يسميه «أمن إسرائيل». لكنها لم تكن مثابرة في بذل جهود مخلصة من أجل التوصل إلى حل سلمي للنزاع بين إسرائيل وفلسطين (ص 66).
الالتزام في رأيه قد يكون قصير الأجل.. لكن المثابرة ـ التكريس كما يصفه ـ أمر يطول أجله بغير انقطاع. ولذلك فالمؤلف يطالب باستراتيجية ذات نفس طويل (بمنطق المثابرة) بدلا من المسارات القصيرة التي قد تختصر المسافات ولكن قوة اندفاعها لا تلبث تتبدد على جوانب الطريق.
ويتبع الكتاب في هذا الصدد نهجا شديد الواقعية حين يقول: املأوا البطون والخزائن أولا وبعدها يسهل عليكم أن تخاطبوا القلوب والعقول.
(11) توجهوا إلى القوى الصاعدة في العالم وحاولوا إنشاء صلات معه وخاصة في مجال التعاون العسكري.
هنا يسهب المؤلف في الحديث عن قوى الصعود المستجدة على المسرح العالمي مطالبا بإنشاء تحالفات مع الصين (برغم تحفظه على نظامها الشمولي).. ويضيف قائلا:
بدلا من محاولة احتواء الصين، علينا أن نوجه مسيرة صعودها بحيث تناسب أهدافنا الاستراتيجية. وسواء كنا معجبين بنظامها السياسي أو نهجها الاقتصادي أم لا.. فإن ثمة حقيقة واحدة على واشنطن أن تصدر عنها باستمرار وهي: أميركا لا تستطيع بمفردها السيطرة على بيئة أمن عالمي متصاعدة ومن ثم تأتي حاجتها إلى حلفاء.
(12) على أميركا أن «تبيع» هذه الاستراتيجية العالمية ـ أو الكوكبية إن شئت – إلى الأطراف الفاعلة في العالم.
وفي إطار هذا البند الأخير من أجندة النصائح المزجاة إلى إدارة أوباما، ينبه المؤلف إلى أهمية اعتماد أكثر من خط وأكثر من مسار وعدم الاقتصار على نهج واحد أو تفكير منفرد في مقاربة مشكلات العالم.. على غرار ما شهدته إدارة بوش التي كان ينفرد بأقدارها نهج «المحافظين الجدد» الذي كان ينضح تعصبا وتشددا ويصدر عن رؤية وحيدة الجانب.
في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: نحن بحاجة إلى رئيس جديد (أوباما) يطرح أكثر من إجابة على كل سؤال، نحتاج إلى من يصغى إلى آراء تتعدد ولكن تتم بالتراضي بين الأطراف.




















