المستقبل –
شكلت التجربة النووية الكورية الشمالية الأخيرة هزة كبيرة لصناع القرار في العالم الغربي عموماً، الذين كانوا قد أغرقتهم الآمال الكبيرة بطي بيونغ يانغ لملفها النووي، خصوصاً بعد أن أقدمت بيونغ يانغ قبل أقل من عام على تفجير وتدمير أحد أبراج مفاعلها النووي الرئيسي. كما شكلت التجربة النووية الكورية الشمالية عامل هلع كبير لصناع القرار وقادة الأمن في اسرائيل، الذين يريدون دوماً أن لايروا على وجه الأرض من دولة نووية سوى إسرائيل والدول الخمس الكبرى دون غيرها.
ومع التجربة النووية الكورية الشمالية الثانية، فان اسرائيل تتلعثم، وتتعلم الدرس الآن بأنها لن تبقى وحدها تمسك بالأزرار النووية في الشرق الأوسط على المدى البعيد، باعتبار أن المدد التكنولوجي النووي للأغراض السلمية وغيرها، لن يبقى أسيراً لرغبات أطراف دولية تستطيع أن تمنحه لبعضهم، وتحرم منه الأخر.
ومبعث القلق الرئيسي لإسرائيل يعود لتخوفها من أن التكنولوجيا الكورية الشمالية قد تصل إلى المنطقة على شكل مساعدات تقنية، وتكنولوجية كما يشير العديد من قادة أجهزة الأمن في إسرائيل، معتبرين أن كوريا الشمالية مع روسيا وباكستان هي المزود الرئيسي بالتكنولوجيا اللازمة لامتلاك القوة النووية لدول مثل إيران وسوريا.
ومن هنا، فان مصدر القرار في إسرائيل والولايات المتحدة "قام ولم يقعد" مع تطور "ميزان الرعب" في العالم، بدخول دولة جديدة النادي النووي. لكن المفارقة تتضح بأن العالم لم يحرك ساكناً مع تطور ميزان الرعب في الشرق الأوسط بشكل متسارع طوال العقود الماضية، التي أمست خلالها اسرائيل تملك أكبر ترسانات السلاح النووي في المنطقة.
وعليه، فان إسرائيل تعتبر التجربة الكورية الشمالية الأخيرة تجاوزاً للخط الأحمر والإخلال إخلالا واضحاً بنظام الرقابة الدولية على نشر السلاح الذري، وذات صلة كبيرة جداً بالشرق الأوسط، بالرغم من انتفاء حالة العداء المباشر بين إسرائيل وبيونغ يانغ حيث يعتقد قادة أذرع الأمن وأصحاب القرار السياسي في تل أبيب بأن "الانجاز الكوري الشمالي الأخير سينعكس على المنطقة بشكل تلقائي، وسيخلق المزيد من المشاكل الجدية"، وأنه يعطي إيران "جرعات من الاندفاع لمواصلة مشروعها النووي" وأن طهران تستفيد الآن من "فحص ردود الفعل الدولية إزاء التجربة الكورية الشمالية، لاستخلاص الاستنتاجات الدافعة للاستمرار بمشروعهم الذري".
وفي هذا السياق، فان أجهزة الأمن الاسرائيلية بدأت ولأغراض تحريضية معروفة، ببث المعلومات واختلاق المصادر عن مايسمى "توثيق التعاون الذري بين كوريا الشمالية المحتاجة إلى النقد المالي، وبين إيران". وبحسب المصادر الاسرائيلية الأمنية ذاتها فان "علماء إيرانيين حضروا تجربتي كوريا الشمالية". وأن المسار التقني الذي اختارته كوريا الشمالية لإنتاج القنبلة يختلف في الحقيقة عن ذاك عن الذي تتقدم فيه إيران (فقنبلة كوريا الشمالية من البلوتونيوم والإيرانية من اليورانيوم)، إلا أن المصادر تضيف بأن "الكوريين الشماليين يستطيعون تعليم الإيرانيين الكثير جداً"، الأمر الذي يشكل "خطراً مباشراً على أمن إسرائيل" وفق المصادر الأمنية الاسرائيلية.
لقد حركت التجربة النووية الكورية الشمالية زوبعة كبيرة، وحركت عدادات أجهزة رصد الزلازل، لكن ترسانة إسرائيل النووية لم تحرك العالم بالرغم من فظاعتها وهول ماتحتويه من رعب مخيف. فقد سعت اسرائيل على الدوام لامتلاك كل أسباب القوة وأشكالها المختلفة وخصوصاً الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية خوفاً من الزوال، ونتيجة للإحساس الذاتي بالرفض من كل دول المنطقة، وتوصل قادة اسرائيل إلى أنهم بحاجة ماسة إلى امتلاك أحدث وأقوى تقنيات أسلحة الدمار الشامل على أمل أن يساعد امتلاكهم لها على إيجاد التوازن بينهم وبين دول المنطقة، ويجلب لهم الاستقرار كدولة إقليمية متطورة القوة، وتتمتع بالقدرة على الهيمنة وبسط النفوذ.
إن الخوف الإسرائيلي من امتلاك كوريا وإيران تكنولوجيا الطاقة النووية حتى للاستخدام السلمي، مرده الرئيسي يعود لأسباب تتعلق بعدوانية إسرائيل ذاتها، التي تريد من نفسها دولة ردع نووي في المنطقة والعالم، تحمل الجزرة بيد والعصا النووية المرعبة باليد الثانية ضمن دائرة يمتد نصف قطرها من فلسطين إلى الباكستان شرقاً، ودول المغرب العربي غرباً.
إن القيادة الكورية الشمالية بهذا التفجير النووي المثير، تجد نفسها وفق المنطق الإسرائيلي المعبر عنه رسمياً "في وضع يعمق التحالف الثلاثي الافتراضي بين بعض الدول التي تدعوها بدول محور الشر" خصوصاً وأن الرد الأميركي على التجربة النووية الكورية ما زال في مرحلة الخلاف على الخيارات داخل مجلس الأمن، نتيجة الدور الروسي والصيني "المتوازن". فتشديد الحصار على كوريا الشمالية كما تقترح واشنطن على المجتمع الدولي، لا يبدو خياراً مجدياً، طالما أن تلك الدولة المغلقة تعيش في شبه عزلة كاملة منذ خمسة عقود، وهي لا تعرف معنى الانفتاح أو التواصل أو حتى التجارة مع بقية دول العالم.




















