عشية عودة المبعوث الأميركي الخاص، جورج ميتشل، إلى المنطقة؛ حرصت إدارة الرئيس أوباما على إشاعة أجواء متفائلة. قبل وصوله، كرّرت إصرارها على وجوب وقف بناء المستوطنات. وزيرة الخارجية، كلينتون، نفت، في ردّ مباشر على مزاعم حكومة نتانياهو، وجود وعد أميركي رسمي من الإدارة السابقة؛ بقبول التوسع الاستيطاني، تحت زعم «النمو الطبيعي» للمستوطنات.
الرئيس طلب من موفده التوجه إلى المنطقة للعمل على «خلق الظرف الملائم للبدء في مباحثات فورية» بين الطرفين. ميتشل، الذي شارك في مؤتمر للمانحين في أوسلو؛ شدد على أهمية «بناء المؤسسات والبنية الحكومية حتى تتمكن الدولة الفلسطينية الفتية من القيام بمهامها في مرحلة مبكرة من إنشائها».
كلام من نوع «اسمع تفرح». لكن على الأرض كما على صعيد التفاصيل، الأمور مختلفة. لا حكومة نتانياهو تزحزحت عن خطها المعروف، المعادي لمثل هذا الطرح؛ ولا الإدارة الأميركية انتقلت من الخطاب إلى الخطوات الكفيلة بترجمة «حلّ الدولتين»؛ الذي تردّد تمسكها به. وما لم تفعل تبقى المراوغة الإسرائيلية قادرة على تحويل مهمة ميتشل إلى جولات مكوكية خاوية؛ كما سبق أن فعلت مع من سبقوه.
نتانياهو عمل من البداية على جعل المستوطنات، خط الدفاع الأول. من خلال التشدّد بخصوصها، اشترى ما أمكن من الوقت؛ كي يتحاشى الدخول في الموضوع الرئيسي: مفاوضات تنتهي بالدولة الموعودة. هو يعرف أنه قبل التوقف عن البناء، لن يكون بالإمكان استئناف المفاوضات. أمام إصرار أوباما، أبدى المراوغ نيّة بإزالة بعض المستوطنات «العشوائية» فقط.
وكأن الأخرى لها شيء من الشرعية! غايته تنفيس الضغوط وفي هذا السياق، سرّبت أوساطه بأنه «يفكر» في تخفيف الحصار على غزة. ترافق ذلك مع الترويج لما سمي بخطة شاملة تعكف حكومته على صياغتها؛ وقد تتضمن الموافقة على الدخول في مفاوضات حول «الدولة».
كل هذه الخزعبلات لها وظيفة واحدة: التهرّب حتى من مجرد التفاوض. ناهيك بالمفاوضات الهادفة. الآن هو محشور بإلحاح إدارة أوباما، على وجوب جعل الطريق سالكة أمام العودة إلى المباحثات. قد يعود. لاسيما وأنها عودة غير مشروطة ولا محدّدة بسقف زمني. ثم هي مفاوضات غير متكافئة، أثبتت التجربة منذ أوسلو؛ أن المفاوض الإسرائيلي قادر على إدخالها في نفق لا نهاية له.
حمل إسرائيل على استئناف المفاوضات وعلى التفاوض بشأن «الدولة»، خطوة أولى. لوحدها لا تضمن خدمة الغرض المعلن. لضمانه، جدّياً، لا بدّ من دور للإدارة؛ من خلال حضورها على الطاولة وبيدها تصور محدّد مع جدول زمني. البديل، عودة إلى الاسطوانة نفسها.




















