المستقبل –
قبل خطاب أوباما في القاهرة، أُفيد أنه من شأنه تبني "مبادرة السلام العربية" كإطار لتسوية إقليمية. هذه المبادرة حظيت بمؤيدين كُثر في إسرائيل. فمع أن أريئيل شارون تجاهلها، وعلى الرغم من أن إيهود أولمرت وتسيبي لفني لم يقبلاها، لكنهما رحبّا بها وطالبا بإدخال تعديلات عليها. من جهته قام الملك الأردني، عبدالله الثاني، بحض أوباما على تبني المبادرة خلال زيارته إلى واشنطن. بيد أن أوباما لم يتبن المبادرة العربية في خطابه، ولم يكتف بعدم القول بأنها لا تشكل اساسا لتسوية إقليمية، بل إنه عمليا أنّب الدول العربية وقدم لها الوعظ الأخلاقي، عندما قال: " على الدول العربية الاعتراف بأن مبادرة السلام العربية كانت بداية جيدة، لكنها ليست النهاية لمسؤوليتها…ينبغي للنزاع أن يكون حافزا للدول العربية من أجل تقديم العون للشعب الفلسطيني… ينبغي أن يكون حافزا للدول العربية للاعتراف بشرعية إسرائيل".
السؤال الأساسي هو لماذا لم يتبن أوباما، حتى الآن، "مبادرة السلام العربية". يبدو لي أن الجواب يكمن في صوغ المبادرة العربية والمضمون: أولا، تطلب المبادرة من إسرائيل الانسحاب إلى خط الرابع من حزيران 1967. هذا الخط غير معترف به في أي وثيقة دولية، وغير موجود على الأرض. هذه الصياغة في المبادرة العربية أُدخلت بناء إلى الطلب السوري. وهذه الصياغة، بحسب معرفتي الجيدة، لا تستطيع إدارة أوباما الموافقة عليها (وبالطبع لا تستطيع إسرائيل ذلك).
ثانيا، تطالب المبادرة العربية بإقامة دولة فلسطينية "مستقلة وسيادية". إضافة كلمة " سيادية" هي إضافة جوهرية. ذلك أن معناها هو أن الدولة الفلسطينية ستكون قادرة، مثل أي دولة سيادية، الاحتفاظ بجيش، السيطرة على المجال الجوي، التحكم بالمعابر الحدودية. هذا يعني أنه لن تكون هذه المواضيع موضع تفاوض أبدا. وهذا أمر لا يمكن أن يوافق عليه الأميركيون ( وبالطبع لن توافق عليه إسرائيل).
ثالثا، تطالب المبادرة العربية بإيجاد حل لمشكلة اللاجئين وفق القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1948، والذي يُفسر من قبل كل الدول العربية ومن قبل الفلسطينيين على أنه يمنح اللاجئين "حق العودة" إلى بيوتهم في إسرائيل. ومجددا، أنا أفترض أنه من الصعب على كل إدارة أميركية القبول بهذا التفسير.
رابعا، وهذه ربما النقطة الأكثر أهمية والأكثر إيجابية، التي تشكل "البداية الإيجابية": تقول الصياغة في المبادرة العربية التالي "وعندها ( بعد أن تُنفذ إسرائيل كل مطالبنا) سنعتبر بأن النزاع العربي ـ الإسرائيلي قد وصل إلى نهايته وسنعقد اتفاق سلام مع إسرائيل…". إسرائيل والولايات المتحدة أمتدحتا كثيرا هذا الاستعداد العربي، لكنهما توجهتا بسؤال/طلب إلى العرب، ولا سيما إلى السعوديين، مفاده: لماذا لا تشرعون منذ الآن ببادرات حسنة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
الصورة المتبلورة هي هذه: الدول العربية غير مستعدة لتغيير ولو كلمة واحدة في مبادرتها، وهي غير مستعدة لأي بادرات حسنة. أين الغرابة في تأنيب أوباما لها؟ وفي الوقت نفسه، المبادرة العربية قائمة وموجودة. ما ينقص هو وجود مبادرة إسرائيلية تقف قبالتها.
معاريف 9/6/2009
ترجمة: عباس اسماعيل




















