الياس حرفوش
رغم العباءة الواسعة للمرجعية الدينية التي لا تخفي هيمنتها على كل مفاصل الحياة في ايران، من السياسة الى الثقافة والاجتماع، خرجت الحملة الرئاسية عن المألوف والمتعارف عليه في الجمهورية الاسلامية. الخطاب السياسي بين المتنافسين كان بالغ الحدة في بلد معروفة فيه حدود النقد. الهجمات التي تعرض لها الرئيس احمدي نجاد لم يسبق ان تعرض لها رئيس للجمهورية، ومن مراجع كبرى في المؤسسة الدينية أبرزها الشيخ هاشمي رفسنجاني. الشارع الايراني، والشاب خصوصاً، الذي كان في المرة السابقة قليل الاهتمام بالعمل الانتخابي، بعد أن خاب امله اكثر من مرة من امكان احداث اي انفتاح في النظام، بدا هذه المرة اكثر تفاؤلاً بأن رئيساً آخر غير الرئيس الحالي سيكون قادراً على اصلاح الوضع الاقتصادي واعادة رسم سياسة خارجية لايران تخفف من المخاوف الاقليمية ومن العزلة الدولية التي تعاني منها.
لم يكن سهلاً تقدير مدى الغضب الداخلي من رئاسة احمدي نجاد الذي بلغ حداً بات معه اكثر المعلقين والمراسلين من ايران يتحدثون عن «ثورة» جديدة، او عن «تسونامي اخضر»، في اشارة الى اللون الذي ميّز حملة المرشح مير حسن موسوي. هناك من قارن بين الحال التي بلغتها ايران خلال رئاسة السنوات الاربع الماضية بتلك التي بلغتها الولايات المتحدة في ظل جورج بوش الابن. مبالغة في استعداء الخارج وفي الاعتماد على القوة، وتجاهل كامل لفرص الديبلوماسية في حل النزاعات. ومثلما كان بوش الابن اول خصم لنفسه ولحزبه، ومثلما ساهم جهله ونزقه السياسي في توفير الفرص للانقلاب الذي تمثّل بوصول باراك اوباما، كذلك يمكن القول إن احمدي نجاد استطاع بفضل المواصفات نفسها أن يتيح فتح النار على كثير من رموز المؤسسة الحاكمة وسياساتها من جانب من كانوا لا يجرؤون في السابق على الاقدام على ذلك، نظراً للمحرمات المعروفة. كما يمكن لهذا الانقلاب ان يحدث تغييراً في الرئاسة الايرانية لا يقل شأناً عن التغيير الذي احدثه وصول باراك اوباما الى البيت الابيض.
قد يقال ان هناك مبالغة في المقارنة. فإمكانات التغيير في ايران محدودة، في ظل هيمنة المرشد علي خامنئي على القرارات المتعلقة خصوصاً بالسياسة الخارجية وبإدارة الملف النووي. لكن وصول رئيس يمثل نهج الاعتدال في العلاقة مع محيط ايران ومع العالم، مثل حسين موسوي، سيتيح لهذا البلد تجنب المواجهات المكلفة التي فرضتها السياسات السابقة، من خلال اعتماد خطاب اكثر رزانة وسياسة اكثر بعداً عن المصادمات.
لن تكون الامور على ما كانت عليه في ايران بعد هذه الانتخابات، أياً كانت النتيجة. فالصراع الداخلي الذي كان خافتاً خرج الى العلن، والنقد طال كل شيء، من الاقتصاد الى ادارة السياسة الخارجية، بما فيها العلاقة مع الولايات المتحدة، الى قوانين تنظيم الشأن الداخلي وما يتصل به من حريات وحدود الرقابة على السلوك والملبس وما شابه. ومع انه يمكن القول إن من الصعب اعادة هذا المارد الايراني، المتمثل في حراك الشارع، الى القمقم من جديد، فإن تجارب سابقة، آخرها مع الرئيس محمد خاتمي، تذكرنا أن ذلك الشارع سبق أن اعيد الى سباته، ولم تفلح شعبية خاتمي ولا رمزية موقعه من منع ذلك… أما من لا يتذكرون فقد تكفّل «الحرس الثوري» بتحذيرهم من أن أي محاولة لقيام «ثورة مخملية» في ايران ستقمع بالقوة!




















