الأربعاء المقبل، يجتمع مجلس وزراء خارجية الدول العربية، للنظر في خُطة أوباما لحل مشكلة الشرق الأوسط خلال سنتين. ولا نعرف تفاصيل كثيرة عن المسألة فيما عدا ما صرّح به هو في القاهرة وفي أحاديثَ أخرى. وضمن ذلك اعتبار وقف بناء المستوطنات شرطا لبدء التفاوض. لكنه قال في خطابه بالقاهرة ان المبادرة العربية للسلام جيدة بيد أنها غير كافية. وفهم بعض المراقبين من ذلك أنه قال هذا لأن المبادرة ليست لها آليات. لكن كان هناك من قال إن المقصود ما تحدث به مسؤولون أميركيون في مناسبات عدة عن الحاجة الى إجراءات لبناء الثقة من جانب العرب. وبقي الأمر غامضاً عمّا هو المقصود بتلك الإجراءات. أما الآليات فهي معروفة وهي عبارة عن خارطة الطريق التي تتناول التفاوض على مسائل الحل النهائي.
والواقع أن الجبهتين الإسرائيلية والفلسطينية غير مستعدتين للتفاوض بعد، فقد ذهب وفد حماس برئاسة خالد مشعل للقاهرة لمحاولة التوصل الى اتفاق مع فتح يُنتج حكومة واحدة وبالتالي لجنة واحدة للتفاوض. وسهّل مشعل الأمر بالفعل عندما صرّح بقبول دولة فلسطينية في حدود العام 1967. وقد اعتبر البعض ذلك خطوة رئيسية الى الأمام. لكن هؤلاء يبالغون في التفاؤل لأنهم يصّدقون أن المشكلة بين فتح وحماس مبدئية وتتناول طريقة تحرير فلسطين! فيما هي في الواقع مشكلة تقاسم السلطة على تلك الأرض البائسة. وهذا الموضوع صعب الاتفاق حوله: في الضفة الغربية لأن "فتح" مسيطرة، وفي غزة لأن حماس مسيطرة. ولذا فالأمر متعلق بمدى قدرة مصر وتساعدها الآن السعودية وسوريا، على إقناع الطرفين بالتوحّد من أجل إعمار غزة، ومن أجل المفاوضات الصعبة على الدولة.
وفي الجانب الإسرائيلي، هناك خطاب لنتنياهو سوف يلقيه الأحد (غداً). وتقول الصحف الإسرائيلية إنه سيوضح فيه وجهة نظره في السلام. وهو (فيما يقال)، ربما يقبل خطة أوباما العتيدة؛ لكن مع تحفظات ومحترزات. ومن المفروض أن ذلك، على الرغم من هشاشته، سوف يُغضب حلفاء نتنياهو الأكثر يمينية مثل شاس وليبرمان. وإذا استقال هؤلاء، فسوف تأتي محلهم تسيبي ليفني؛ وبذلك تتشكل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل (تكون جاهزة للحرب والسلم) قادرة على اتخاذ قرارات صعبة مثل إزالة المستوطنات، أو الجدار، أو الموافقة على قيام دولة فلسطينية مستقلة. وبذلك تصبح الدولة العبرية قادرة على الذهاب للتفاوض. وهذه كلها فرضيات ما تحولت بعد الى وقائع؛ خصوصاً أن نتنياهو ـ بخلاف رئيس الدولة بيريز ـ ما قال بعد بحل الدولتين!
وتبقى سوريا مجهولاً كبيراً. فقد أُعلن من دمشق عن إرادة سورية لاستعادة التفاوض بوساطة تركيا. وهذا غريب بعض الشيء، لأن سوريا طالبت دوماً الولايات المتحدة بأن تكون راعيةً للمفاوضات. فهل لم تقبل واشنطن بعد، أم أن ذلك يتم بالتنسيق معها؟ والمسار السوري على الأقل حقق خطوات واسعة في المفاوضات الماضية؛ وربما يستطيع الطرفان التقدم وصولاً للانسحاب الإسرائيلي من الجَوْلان قبل الانتهاء من المفاوضات على فلسطين بشكل شامل. وكانت الإدارة الأميركية قد قالت لمسؤولين عرب كثيرين إن الأمور تمشي مع سوريا بأسرع من المتوقع، وستفاوضه منفردة، لكن عند النجاح، سيكون هناك مؤتمر شامل للسلام فيما يتعدى حدود النزاع على الأرض، ويشارك فيه الجميع. لكن إذا كانت سوريا على عجلة من أمرها؛ فإنها تستطيع التفاوض منفردة ـ كما يقول الأميركيون ـ وهو ما ستُبلغه لميتشل عندما يزور دمشق!
لماذا هذه المحترزات كلها؟ لأن قضية الجولان صعبة أيضاً، إذ إن ساكنيها من إسرائيل كلهم من المستوطنين المتطرفين، وهم سيعملون المشاكل لأوباما، ولا يريدون نجاحاً للمفاوضات. والمستوطنون ليسوا المشكلة الوحيدة، فهناك الأطراف المشاركة في حكومة اليمين، وهي تتنافس جميعاً على من يسهم أكثر في إفشال حل الدولتين. لكن يبقى أن العالم كله يرى أن الحل يقدمه بنوه، ويتنازلون في مقابله عن أشياء كثيرة!
"المستقبل"




















