الردود الأوروبية والأميركية على خطاب نتانياهو، لا تخدم قضية السلام. فيها من الترحيب والإشادة، ولو بتحفظ، ما يوازيها بالرضوخ. بل فيها، على الأقل من وجهة نظر رئيس الحكومة، ما يحفزه على المزيد من التحدّي والتعجيز.
إذا كانت المقاربة التي طرحها والشروط الناسفة التي وضعها، تستحق كل ما حظت به من تنويه وتفهم؛ فما هي إذاً اللغة التي يمكن تصنيفها في خانة السلبية والتخريب على «عملية السلام»؟ إلاّ إذا كانت المقاييس قد تبدّلت، وكان ما يجوز لنتانياهو لا يجوز لغيره.
فهو لم يتزحزح بوصة، من موقعه المعروف. أخذته مدة أربعة أشهر، وضغوط ومطالبات ومطاردات؛ ليلفظ وبشقّ النفس، عبارة «دولة» فلسطينية. ولم يأت على ذكرها، إلا مرة واحدة في خطابه وبصورة خاطفة؛ وبعد أن حرص على تفخيخها من كافة الزوايا، بحيث تقزّمت إلى دولة كرتون. مع ذلك انهالت عليه التبريكات.
وكأن مجرد خروج هذه الكلمة من فمه، كان بمثابة الانجاز الكبير.أو كان بمنزلة التراجع والتنازل الكبيرين، من جانبه. كاد بعضهم أن يصوّره بزيّ من هبطت عليه فجأة صحوة السلام ونعمته.
جريدة الـ «واشنطن بوست» الأميركية، طلعت بعنوان رئيسي على صفحتها الأولى، يقول «نتانياهو يدعم هدف الدولتين». عواصم الغرب لم تكن أقل ترحيباً. الرئيس أوباما، وصف إشارة الليكودي العتيق؛ بأنها «خطوة مهمة للأمام». وكرّت السبحة. وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، رأوا فيها «خطوة إلى الأمام». كذلك صدرت توصيفات مماثلة، عن خافيير سولانا ومعه العديد من العواصم الأوروبية.
وحده الأمين العام الأمم المتحدة، خصّ خطاب نتانياهو بالنقد، على اعتبار أنه «حمل إشارات غير مشجعة». توافق معه، الرئيس الأميركي الأسبق كارتر، الذي رأى أنه «وضع عقبات أمام التسوية». ما عدا ذلك، بدا وكأن هناك اوركسترا واحدة تعزف على نفس الإيقاع. صحيح كلها أبدت الحذر والتحفظ وطالبت بالمزيد.
لكن ذلك جاء بعد الإشادة. وكأن نتانياهو سجّل فتحاً يستحق الثناء. ربما كان الاعتقاد أن من شأن امتداح «خطوته»، أن يشجّعه على المزيد من «الإقدام»! لكن هذا لا يصح هنا لسببين: أولاً، لأن الرجل اضطر للتفوّه بالعبارة، نزولاً عند إلحاح إدارة أوباما. ثانياً، لأنه مراوغ متمرّس، فضلاً عن أن عرضه محشو بكافة صواعق التفجير المدمر.
كلام نتانياهو لا يشكل فتحة، بقدر ما كان وجبة من التحدّي والاستفزاز التخريبي. كان الأجدر التعامل معه كما هو. وبالتالي التصويب على عوراته أولاً.الملاطفة المفتعلة تؤدّي، هنا، إلى نتائج عكسية. الثناء ولو المتحفظ، يشجعه على الإمعان في التصلب والمراوغة.




















