المستقبل –
"لا يمكن لأي دولة ولا ينبغي على أي دولة، أن تفرض نظاماً للحكم على أي دولة أخرى"، هذا ما قاله الرئيس الأميركي باراك أوباما، جهاراً نهاراً، في خطابه الموجه للعالم الإسلامي من على منبر جامعة القاهرة، واضعاً بذلك حداً للجدل والتكهنات التي أثيرت بشأن موقف إدارته من قضية الديموقراطية ونشرها في المنطقة، وهي القضية التي كانت أحد أهم الأسباب في توتر العلاقات، خلال عهد سلفه، بين واشنطن وكثير من عواصم المنطقة، بما فيها تلك الحليفة والصديقة للولايات المتحدة، مثل القاهرة التي أطلق منها خطابه، حيث وجهت لها ولغيرها من العواصم الأخرى، انتقادات متواترة تتصل بملف حقوق الإنسان وقضايا الإصلاح الديموقراطي والسياسي، خصوصاً بعد أن أخذت قضية الديموقراطية طابعاً إيدولوجياً وتبشيرياً لدى الإدارة السابقة، بصقورها ومحافظيها الجدد، يتصل بمحاربة الإرهاب، من منطلق أن الاستبداد والاستنقاع السياسي يشكل "مفرخة" للإرهاب والإرهابيين، فكرس لها الرئيس جورج بوش حيزاً مهماً من خطاب تنصيبه الثاني، طارحاً أجندة عمل متكاملة بصددها، وعادت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس وطرحت الأفكار ذاتها والمطالب المتعلقة بهذا الشأن بلغة قوية ومباشرة، وفي غير مكان ومناسبة، مثل خطابها الشهير في الجامعة الأميركية في القاهرة 2005.
أما لدى أوباما فقد باتت الديموقراطية قيمة ثقافية وحقوقية وتنموية يتطلع إليها جميع البشر "لامتلاك قدرة التعبير عن أفكارهم وآرائهم في أسلوب الحكم المتبع في بلدهم"، ولكن مع التنبيه إلى أنه "لا يوجد طريق سهل ومستقيم لتلبيتها"، وهو يحضّ الحكومات أن تعبر عن إرادة الشعب، لكنه يرى أن التعبير عن هذا المبدأ "يتم في كل دولة وفقاً لتقاليد شعبها"، كما أن أميركا "لا تفترض أنها تعلم ما هو أفضل شيء بالنسبة للجميع".
وعقب خطاب أوباما شددت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، في لقاء مع مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان في مصر، على أن واشنطن لن تسعى إلى "فرض الديموقراطية" وبأن مثل هذا التوجه أثبت فشله، كما حصل مع الإدارة السابقة (صحف:6/6/2009) وأعرب بعض هؤلاء الناشطين عن اعتقادهم بأن الإدارة الجديدة تفضل إثارة قضية الديموقراطية خلف الكواليس وليس في العلن، فضلاً عن أن الإدارة الجديدة تعطي الأولوية للإصلاح الاقتصادي، "والاحتفاظ بعلاقات ديبلوماسية قوية مع دول المنطقة" باعتبار أن ذلك يجيء في سياق تصحيح أخطاء إدارة بوش السابقة. وهو ما سمح لبعض المراقبين في الاستنتاج بأن الرئيس الأميركي الجديد يقايض تحسين علاقات بلاده مع دول المنطقة بقضية الديموقراطية وتفرعاتها السياسية والحقوقية، بمعنى أن إدارته لن ترهن إمكان التقارب والتفاهم مع هذه الدول بتحسين سجلاتها في القضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان.
وقد رد أوباما على انتقاد منظمة "هيومان رايتس ووتش" لاختياره القاهرة مكاناً لتوجيه خطابه للعالم الإسلامي، خشية أن يفهم ذلك على أنه "تأييد ودعم للنظام" الذي يبدو سجله في قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان غير مشجع، وقال: "ليس صحيحاً الاعتقاد بأنه يجب ألا نتعامل إلا مع الدول التي تفي بمطالبنا"، معتبراً أن أفضل ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة في هذا الخصوص هو "التشجيع وتقديم النموذج الذي يمكن أن يُحتذى به".
لكن وبعيداً عن أحكام القيمة تجاه مواقف أوباما وإدارته حيال قضية الديموقراطية، مقارنة بمواقف إدارة سلفه، فإن المردود السلبي جداً للسياسة السابقة، التي سعت لترويج الديموقراطية كوصفة مثالية لأمراض التطرف الإسلامي والاستبداد الأوتوقراطي في الدول والمجتمعات المسلمة، يدفع عدداً غير قليل من المراقبين والمهتمين العرب والمسلمين، إلى تفضيل سياسة الإدارة الجديدة في هذا الخصوص، معولين على ترجيح احتمال مردودها الإيجابي بعد الأضرار الكبيرة التي ألحقتها سياسة الإدارة السابقة بقضية الديموقراطية والقوى الديموقراطية، الضعيفة أصلاً، في العالمين العربي والإسلامي، خصوصاً أن دعوتها لترويج الديموقراطية اقترنت مع احتلال العراق، وما رافق ذلك من مآسٍ وكوارث، أدت في المحصلة إلى "ترذيل" فكرة الديموقراطية والإساءة إليها أيما إساءة. فباتت الدعوة إلى الديموقراطية وكأنها تعني الدعوة إلى الاضطراب والفوضى وتفكيك الدولة وتعميق الانقسامات الطائفية والإثنية.. إلخ.
كما باتت الدعوة إليها وكأنها تعني التحاق أصحابها بالعواصم الغربية، وامتثالهم لمشيئتها ومشاريعها، هذا إن لم يجر الحديث عن العمالة والارتباط المشبوه؟ ومع الإدراك بأن هذه المحصلة لا تتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة وحدها، بل ساهم في الوصول إليها أيضاً تقاطع مصالح وأهداف عريبة وإقليمية، مع مصالح وأهداف قوى اجتماعية وسياسية، محلية وخارجية، إضافة إلى عجز القوى الديموقراطية وضعفها الشديد، فإن ذلك كله يدفع للاعتقاد بضرورة الإقلاع عن هذه السياسة والمراهنة على سياسة بديلة لعلها تسهم في ترميم الأعطاب وإصلاح الأضرار التي لحقت بالديموقراطية والداعين إليها، وتسببت بها سياسة الإدارة السابقة.




















