منذ أن انطلقت حركة "حماس"، وخطابها الدعوي يتمتع بالمرونة والاعتدال، وكانت نظرتها للغرب – وما تزال – هي ضرورة التفاعل والتفاهم والابتعاد عن مشهد الصراع والمواجهة.. لقد استقبل الإسلاميون في فلسطين النداءات التي صدرت في الغرب بتشجيع الديموقراطية وحماية حقوق الإنسان بالترحيب، واستبشروا خيراً بها، ودعوا إلى عدم النظر إلى الغرب كعدو، وعدم التعاطي مع الغرب كعنوان واحد، باعتبار أن هناك تباينات وهم ليسوا سواء، والمسألة تستدعي الحكم على الدول الغربية من خلال سياستها ومواقفها، وليس بتعميم الأحكام، وكان الرهان على أن الغرب سيتعاطى معهم بنفس الروح وليس من خلال الصور النمطية والأحكام المسبقة، ولكن -للأسف- ما شاهده الإسلاميون هو أن الغرب وضعهم في قفص الاتهام وناصبهم العداء..!!
لقد اتهمتنا أميركا بالتطرف والإرهاب، واستعدت علينا دول العالم كافة، ووجدت في فوزنا بالانتخابات ضربة موجعة لسياستها بـ"الحرب على الإرهاب"، وطعنة لمشروعها في تشجيع عمليات التحول الديموقراطي بالمنطقة.
لقد كانت "حماس" (الحركة والحكومة) ضحية لسوء السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس جورج بوش، ليس فقط إزاء الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية بل ـ أيضًا ـ إزاء شعوب المنطقتين العربية والإسلامية.
ومع كل هذه الإساءات والتعديات والتآمر الذي مارسته إدارة الرئيس بوش، فإن الإسلاميين لا يُحملون الغرب على إطلاقه وزر سياسات تلك الإدارة، وما زالوا يتطلعون إلى علاقات إيجابية ومتوازنة مع الإدارة الجديدة للرئيس باراك أوباما، وأيضاً مع كل الدول الغربية دول الاتحاد الأوروبي على وجه التحديد.
هناك فهم خاطئ للحالة الإسلامية في فلسطين، واتهامات بعيدة عن رؤية "حماس" لنفسها ومشروعها السياسي، والتعاطي معها وكأنها حركة متطرفة بغايات شبيهة بـ"القاعدة" و"طالبان".. لاشك بأن قيادات في الحركة والحكومة قد عبرت عما تراه توصيفاً لحالها بالنظر إلى "حماس" باعتبار أنها حركة تحرر وطني فلسطيني، وهي حركة سياسية – مدنية، تستمد مفاهيمها وقيمها من الدين الإسلامي الحنيف، وتعمل على تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي بكافة الوسائل المشروعة، وتعمل على تقديم الخدمة لأبناء الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وفي جميع المجالات التي تسمح بها الظروف والأحوال.
وهي حركة تأخذ بنهج الاعتدال والوسطية، ولا تعادي إلا الاحتلال الذي سلب الشعب الفلسطيني أرضه؛ فاليهود والنصارى هم أهل كتاب، والمسلمون يحترمون عقائدهم ويحفظون لهم عهودهم.
والحركة تتطلع إلى عالم يسوده العدل والأمن والسلام، وتؤمن بالحوار مع الغرب، وتتطلع إلى شراكة مع العالم الغربي على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل.. والحركة ليست حركة دينية كهنوتية كما يحاول البعض أن يصورها، ولا حركة أصولية بالمعنى الغربي للأصولية الذي يعني التزمت والتطرف والانغلاق، بل هي حركة مدنية تتبنى نهج الشورى والطريقة الديموقراطية في تداول القيادة داخلها، وتؤمن بالتداول السلمي للسلطة في فلسطين، كما أنها تؤمن بالشراكة على قاعدة المواطنة، وتؤمن بالتنوع الثقافي والتعددية السياسية، وتعتبر احترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات العلاقة جزءاً من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وأن تكريم الإنسان هو هدف أسمى من أهداف الوجود الإنساني.
كما أن الحركة تفضل الوصول إلى تحرير فلسطين بالطرق السلمية، وتطالب العالم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، وخاصة قرار 194 القاضي بعودة اللاجئين، وكذلك القرارات التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.
وتتبنى حركة "حماس" المقاومة بكافة صورها وأشكالها كرد فعل على الاحتلال، ولا تتعمد ـ بشكل أساس ـ مهاجمة المدنين، بل إنها بادرت على لسان الشيخ أحمد ياسين بإطلاق مبادرة تطالب المجتمع الدولي وحكومة الاحتلال باتفاق يُجنب المدنيين ويلات الصراع والعنف وعدم مهاجمتهم، وهذا العرض ما زال قائماً، ولكن إسرائيل رفضت ذلك، كما أن الحركة وافقت على التهدئة الشاملة وإسرائيل تمنعت. و"حماس" تطالب منذ أكثر من عامين ونصف بتبادل الأسرى ولكن إسرائيل ما تزال تماطل وتضع العراقيل.
إن حركة حماس تؤمن بأن ساحة الصراع هي في داخل فلسطين المحتلة، ولذلك فهي لا تتبنى مهاجمة الأهداف الإسرائيلية خارج فلسطين، وتتطلع الحركة إلى المساهمة بإيجابية في خلق عالم خالٍ من العنف، ويتمتع بالسلام والأمن، وتنادي بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في حدود الرابع من حزيران 1967، وتطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم.
إن هذه الصورة هي بالتأكيد غير الصورة النمطية التي رسمتها إسرائيل لحركة "حماس"، والتي حاولت فيها إلباس "حماس" ثوب الشيطان ووسمها بالتطرف والإرهاب بغرض تشويه صورتها والتحريض عليها وحشد العالم الغربي ضدها، لكي تبرر دولة الاحتلال الجرائم التي ترتكبها بحق الإنسانية على أرض فلسطين والتي كان آخرها عدوانها الواسع في 27 كانون على قطاع غزة.
التعامل مع "حماس": الأزمة ومفتاح الحل
لقد كتب وتساءل الكثيرون عن جدوى نظام العقوبات الذي فرضه الغرب على "حماس" بعد تشكيلها الحكومة العاشرة وبعد فوزها الكاسح في انتخابات كانون الثاني 2006 التشريعية، حيث أظهرت التقارير عدم منطقية تلك العقوبات، وأنها قامت على حسابات وأسس مضللة، إذ عكس رد الفعل حجم الضغط المفرط من قبل الإدارة الأميركية على دول العالم لإبقاء العقوبات مفروضة على الحكومة التي انتخبها الشعب الفلسطيني بكامل حريته، وكذلك لمعاقبة الشعب الفلسطيني على ممارسته لحقه الديموقراطي.. وللأسف كانت الرباعية الدولية هي رأس الحربة في حملة العقوبات على "حماس"، وتعزيز الأجندة الأميريكية والإسرائيلية الرامية إلى نزع الشرعية عنها، وحرمانها من حقها في قيادة الشعب الفلسطيني الذي انتخبها بكل نزاهة وشفافية، وبشهادة امتياز منحها المراقبون الدوليون الذين عاينوا عملية الاقتراع.
لقد استخدمت الكثير من أساليب المكر والخداع ـ داخلياً أو خارجياً ـ لتقويض عمل الحكومة التي قادتها وشكلتها حركة "حماس"، وشمل ذلك العمل على خلخلة أسس النظام السياسي الفلسطيني الضعيف أصلاً، عبر اختطاف أكثر من أربعة وأربعين نائباً من نواب الحركة في الضفة الغربية والعديد من الوزراء كذلك.
لقد توقعت الإدارة الأمريكية السابقة بأن تسقط الحكومة التي تقودها "حماس" في غضون شهرين أو ثلاثة، ولكن ذلك لم يحدث، فعملت، بالتالي، على تجنيد بعض عناصر من حركة "فتح" للعمل على الإطاحة بحكومة إسماعيل هنية، وخلق ظروف لإعادة تنصيب حركة "فتح" أو الموالين لها.. الجدير بالذكر أيضا أن "حماس" واجهت الكثير من العقبات في فترة الحكم، مثل الضغط المكثف الذي مارسه الغرب وبعض القوى الإقليمية على حركة النواب والوزراء، إضافة إلى مسلسل الإضرابات والمناكفات السياسية والإدارية من قبل حركة "فتح"، والتي كانت عناصرها تهيمن على معظم أجهزة السلطة الأمنية وإدارتها الحكومية.
لقد سعت حماس جاهدة أثناء وجودها في الحكومة بالعمل على تجنب الصراع الداخلي وإراقة الدماء، وساعدها في ذلك الدور النشط للوفد الأمني المصري الذي كان يقيم في غزة، والذي عمل على التنسيق بين التنظيمات والحركات الفلسطينية وخلق أجواء تصافٍ وتعاون إيجابي بينها.. ولكن ـ للأسف ـ اصطدمت كل محاولات "حماس" الجادة لتفادي الصراع بالجدار الحديدي الذي فرضته العقوبات الدولية المتزامنة مع سياسات التحريض والتشويه المحلية.
إن العداء لـ"حماس" ورفض التسليم بفوزها في الانتخابات لم يكن عاماً في حركة فتح، فهناك أعضاء من الحركة أقّروا بشرعية "حماس" في الحكومة وحقها في الحكم، باعتبار أن ذلك سوف يعزز من المسيرة الديموقراطية على الساحة الفلسطينية، كما أنه سوف يمكن من تحقيق الأهداف الوطنية العليا.
لا شك أن هناك محاولات غربية – أوروبية على وجه الخصوص – ترمي إلى رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، وتنادي بضرورة التواصل مع "حماس" (الحركة والحكومة)، وتسعى لدمجها في العملية السياسية، وأن هؤلاء الذين يقومون بذلك يعلمون جيدًا أهمية "حماس" كلاعب أساس لا يمكن تغييبه أو تجاهله، كما أنهم يدركون أيضا أنه لا يوجد حل سياسي بدون موافقة "حماس" أو مباركتها.. لقد خلص العديد من السياسيين الرسميين وغير الرسميين في الغرب ـ بما في ذلك الكثير من المنظمات والمجموعات الدولية ـ إلى ضرورة إشراك "حماس" إيجابيًا في العملية السياسية.
إن هذه الخلاصات والاستنتاجات لم تأتِ من فراغ، ولكنها كانت ثمرة لقاءات كثيرة جرت خلف الكواليس مع العديد من الأطراف الأوروبية، حيث تمكنوا من التعرف على فكر الحركة ورؤيتها السياسية ومن الحديث مع أبرز قياداتها في الداخل والخارج.. وإذا ما دلت تلك اللقاءات على شيء، فهي تدل على أن الغرب بإمكانه التعامل مع "حماس".
إن حماس هي جزء متكامل موحد على الخارطة السياسية الفلسطينية، وهي حركة إسلامية معتدلة أكدت مراراً التزامها بالديموقراطية ومبادئها، وأكدت أيضا رغبتها في تعزيز نهج الشراكة السياسية بينها وبين جميع القوى والحركات الفلسطينية، كما أن للحركة جذورًا ثابتة وعميقة في جميع قطاعات المجتمع الفلسطيني.. وعليه، فإن عزلها ليس بالخيار المجدي.
من هنا يتبين أن السياسات الرامية لعزل أو تهميش "حماس" (الحركة والحكومة) سوف يؤسس للغلو والتطرف والإرهاب.. وفي المقابل، فإن التسليم بنتائج الانتخابات والسماح لـ"حماس" بأن تمضي ـ ببرنامجها ـ في الإصلاح والتغيير سوف يسهم في ظهور أفكار وآراء واقعية تعمل على تطوير التحركات السياسية وإنضاجها، وتوسيع ثقافة التسامح واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة.. وعلى الغرب أن يسأل نفسه: هل يريد دعم توجهات الاعتدال والواقعية أم فتح الباب مشرعًا للغلو والتطرف لينتهي المطاف بالجميع إلى ركوب عجلة الإرهاب وصراع الحضارات.!!؟
"مركز كارنيغي للشرق الاوسط"
(قيادي في حركة "حماس" ويحمل صفة: "وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية – غزة")
"النهار"




















