خامنئي أمام أحمدي نجاد وفي غياب موسوي ورفسنجاني وخاتمي:
الشعب اختار رئيسه وقادة التظاهرات يتحملون مسؤولية الدماء والفوضى والعنف
في كلمته المنتظرة عن الاحتجاجات التي استمرت ستة أيام والجدل الذي تلا إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، أكد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي أنه لن يرضخ للتحركات في الشارع، لأن الشعب اختار رئيسه، محذراً "قادة تلك الاحتجاجات"، في إشارة إلى المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، من تحمل عواقب قمع اي نشاطات جديدة. وإذ انتقد التدخلات الغربية وسمى تحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، اتخذت المواجهة السياسية مع هاتين الدولتين منحى تصعيدياً، إذ قدم اثنان من زعماء الكونغرس الاميركي، هما رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الديموقراطي هوارد برمان، ومايك بينس الذي يرئس الكتلة الجمهورية في المجلس، مشروع قرار اعتمد بالغالبية لدعم الشعب الإيراني، بينما استدعت وزارة الخارجية البريطانية السفير الإيراني للاحتجاج على اتهامات خامنئي للندن بأنها صارت "الشيطان الأكبر".
ودافع خامنئي، الذي أمَّ صلاة الجمعة في جامعة طهران، عن أحمدي نجاد في كلمته الأولى إلى الإيرانيين منذ بدء الأزمة، وقال إنه الفائز الحقيقي في الانتخابات الرئاسية، كما ان "آراء الرئيس اقرب الى آرائي، وأرى بعض الرجال اكثر كفاية من غيرهم لخدمة البلد. انني قد اختلف مع بعض المرشحين (في إشارة إلى موسوي)، لكنني لم اطرح وجهة نظري علي الشعب، فالناس تحركوا وصوّتوا وهذا قرار شعبي لا احد يستطيع التدخل فيه، والمنافسة لم تكن بين انصار الدولة او اعدائها بل كانت مبنية على مصلحة الشعب الذي كان اختياره مرتكزا على الوعي، وقد اختار رئيسه".
ونفى أي احتمال لتزوير الانتخابات، ذلك ان "القوانين والاطار القانوني في بلادنا لا يسمح بتزوير الانتخابات او الغش فيها. المشاركون، ومن لهم علم بشأن العملية الانتخابية في هذه البلاد، يمكنهم ان يؤكدوا هذا. والحديث عن التزوير يصل إلى مستوى 11 مليون (صوت). لو كان الفارق بين مرشحين بضع مئات من الالوف من الاصوات او حتى مليوناً ربما امكن تفهم الاتهامات بالتزوير، ولكن كيف يمكن التزوير الى 11 مليون صوت".
وقد امتلأت الجامعة والشوارع المحيطة بها بالجموع التي أتت لسماع كلمة المرشد تتردد عبر مكبرات للصوت علها تحمل حلاً.
ولف بعض المتجمعين للصلاة أنفسهم بأعلام إيرانية. وحمل آخرون لافتات كتبت فيها شعارات معادية للغرب، منها "لا تدعوا قلم الأجانب يكتب تاريخ إيران". وحلقت طائرة هليكوبتر واحدة على الأقل تابعة للشرطة فوق الحشد.
وشدد خامنئي على ان "نتيجة الانتخابات تأتي من صناديق الاقتراع لا من الشارع. النزال الدائر في الشارع خطأ، واريده ان ينتهي. وأنا لن أذعن للبدع غير الشرعية ولن أرضخ للشارع. اليوم تحتاج الامة الايرانية الى الهدوء"، محذراً من انه "اذا حصلت أي اراقة للدماء، فسوف يتحمّل قادة المظاهرات المسؤولية المباشرة. على المسؤولين السياسيين الذين لديهم نفوذ على الشعب ان ينتبهوا جيدا الى سلوكهم. لانهم اذا تصرفوا بشكل متطرف، فان هذا التطرف سيبلغ حد اللاعودة… وسيكونون مسؤولين عن الدماء والعنف والفوضى". وأضاف انه "من الخطأ أن يتصوروا أنهم باستخدام تظاهرات الشوارع سيجبرون المسؤولين على قبول مطالبهم غير الشرعية. ستكون تلك بداية الديكتاتورية". وبدا تحذيره هذا تلميحاً إلى اتخاذ اجراءات أشد صرامة في وجه المتظاهرين.
واعتبر ان أعداء إيران يستهدفون شرعية المؤسسة الإسلامية بالتشكيك في نتيجة الانتخابات، مشيراً إلى ان "تصريحات المسؤولين الاميركيين عن حقوق الانسان والقيود المفروضة على الشعب غير مقبولة لانهم ليس لديهم اي فكرة عن حقوق الانسان بعد ما فعلوه في أفغانستان والعراق ومناطق اخرى من العالم. لسنا في حاجة الى ان نأخذ النصيحة منهم في ما يتعلق بحقوق الانسان". وذكر ان "الرئيس الأميركي (باراك أوباما) قال: "كنا ننتظر يوماً مماثلاً لنرى الشعب في الشارع". يكتبون إلينا يقولون إنهم يحترمون الجمهورية الإسلامية ثم يدلون بتصريحات مماثلة، فأي الموقفين نصدّق؟".
ولاحظ ان "ديبلوماسيي العديد من الدول الغربية الذين كانوا يتحدثون معنا حتى اليوم بلهجة ديبلوماسية كشفوا عن وجههم الحقيقي، وفي مقدمهم الحكومة البريطانية" التي وصفها بأنها "الشيطان الأكبر والأكثر غدراً بين أعداء إيران". واشار الى ان "ما حصل في الداخل بسذاجة من بعض هؤلاء المتظاهرين، صوّر للبعض في الخارج ان ايران قد تتحوّل جورجيا" التي كانت شهدت ثورة دعمها الغرب.
وأظهر النقل المباشر على شاشة تلفزيون "العالم" الحكومي الذي يبث بالعربية، كلاًّ من أحمدي نجاد والمرشح المحافظ المهزوم محسن رضائي وهما يتابعان خطبة الجمعة، بينما غاب موسوي والرئيسان السابقان اللذان دعماه وهما محمد خاتمي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني. وكذلك غاب المرشح الإصلاحي الآخر الرئيس السابق لمجلس الشورى مهدي كروبي.
وكان خامنئي أشاد في مستهل كلامه عن الانتخابات بهذا الانجاز وبإقبال 40 مليون ناخب على صناديق الاقتراع. كذلك اشاد بالمناظرات بين المرشحين التي تخللت العملية الانتخابية، وان يكن انتقد ما صدر عن بعض هؤلاء. وفي هذا السياق رفض اتهام الرئيس الايراني بالكذب، كما رفض ما نسبه احمدي نجاد الى رفسنجاني واولاده من فساد، وما تعرّض به للمستشار الرئاسي علي اكبر ناطق نوري. وشدد على انه يعرف رفسنجاني منذ 52 سنة وانه طالما كانا رفيقين في الثورة التي أنفق عليها الرئيس السابق ثروته. ومع ذلك أقر بوجود فساد في الدولة ودعا الى استئصاله وملاحقة الفاسدين. واعلن ان النزاع على نتيجة الانتخابات سيحسم في "طريق القانون".
وبعد الصلاة احتشد آلاف من أنصار احمدي نجاد في شوارع طهران.
موسوي وكروبي ورضائي
وكان أنصار موسوي دعوا إلى تظاهرة جديدة اليوم السبت. ولكن بعد كلمة خامنئي، قال حليف لموسوي طلب عدم ذكر اسمه ان الأنصار لم يُدعوا الى تنظيم احتجاجات جديدة اليوم، و"لا خطط لدى موسوي لتظاهرة غداً (اليوم) او بعد غد (الاحد)، واذا قرر الدعوة الى تظاهرة، فسيعلن ذلك في موقعه على شبكة الانترنت".
وتناقل أنصار موسوي عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت او البريد الالكتروني الدعوة الى عدم التجمع في طهران امس خلال إلقاء خامنئي كلمته.
وأعلن محافظ طهران مرتضى تمدن ان التظاهرة التي كان انصار موسوي يعتزمون تنظيمها اليوم السبت لم يرخص لها، و"آمل، في ضوء عدم صدور ترخيص، الا تجري هذه التظاهرة". لكنه أشار إلى ان التظاهرات السابقة كانت بدورها "غير شرعية".
ولم تحمل مواقع الانترنت المقربة من موسوي أي موقف من تحذيرات المرشد. وأبلغ احد انصاره المقربين وكالة "الأسوشيتد برس" في رسالة الكترونية ان "الجميع يشعر بالغضب والقلق وخيبة الأمل بعد الخطاب. ننتظر رد فعل موسوي، إنه أملنا في حماية أصواتنا".
وفي المقابل، لم يتراجع كروبي عن مطالبته بإلغاء الانتخابات. وجاء في رسالة جديدة وجهها إلى مجلس صيانة الدستور بعيد كلمة خامنئي: "اقبلوا ارادة الشعب، واضمنوا مستقبل النظام باتخاذ قرار عادل بالغاء الانتخابات واجراء عملية انتخابية جديدة". واتهم الحكومة بأنها "قتلت اشخاصا" خلال التظاهرات، مؤكدا انها تواصل استخدام العنف، إذ "يضربون الناس بالعصي والسكاكين خلال التظاهرات السلمية، ويثيرون توترات ثم يتهمون الشعب. الحكومة تنشر اجواء رعب من طريق فرض الرقابة وقطع شبكات الهاتف الخليوي والرسائل القصيرة. انهم يقتلون الناس ثم يقيمون مراسم تشييع لإسكات الناس". وتساءل :"اذا كانت الحكومة منتخبة على اساس انتخابات شرعية، فلماذا تحتاج الى اشاعة مناخ من الرعب والترهيب؟".
أما رضائي، فكشف انه في بعض الدوائر الانتخابية، بلغت نسبة المقترعين 140 في المئة، مجدداً القول بأن تزويراً حصل.
وقد اطلق امس السياسي المعارض إبرهيم يزدي، الذي اوقف في المستشفى قبل يومين، على ما أفاد مقرب منه.
الكونغرس
واقترح النائبان الاميركيان برمان وبينس مشروع قرار يعبر عن دعم الكونغرس الايرانيين "الذين يدافعون عن قيم الحرية وحقوق الانسان".
وتبنى المجلس المشروع بغالبية ساحقة، إذ نال 405 اصوات في مقابل واحد. ويندد القرار ب"اعمال العنف الحالية التي تمارسها الحكومة الايرانية والميليشيات الموالية لها ضد المتظاهرين، وإلغاء الحكومة وسائل الاتصال الالكترونية المستقلة والتشويش على الهواتف النقالة". ويؤكد "الطابع العالمي للحقوق الشخصية وأهمية (اجراء) انتخابات ديموقراطية وعادلة".
ويعد القرار أقوى رسالة توجهها السلطات الأميركية إلى النظام الإيراني.
وكان برمان اعلن هذا الأسبوع انه ينوي التطرق الى الوضع في ايران قريبا امام لجنة الشؤون الخارجية لأنه "لا يمكننا التزام الصمت حيال هذا المساس بالحرية والكرامة الانسانية"، في اشارة الى قطع شبكات الاتصال وعزل صحافيين اجانب "في منازلهم ومكاتبهم". وقال امام مجلس النواب: "هذا ليس حكما على من فاز في الانتخابات الايرانية. انه إقرار بانه لا يمكننا البقاء صامتين حين يتم التعرض لمبادئ عالمية عزيزة علينا".
وقال بينس انه "باسم الشجاعة المعنوية لرجال ونساء ايرانيين نزلوا الى الشارع، معرضين حريتهم وحتى حياتهم للخطر باسم الحريات، يعبر هذا الكونغرس عن دعمنا" لهم.
ويدور جدل حاد في واشنطن منذ ايام حول وسائل الرد على الاحداث في الجمهورية الاسلامية، واعتبر البعض ان دعم الرئيس اوباما للمتظاهرين غير كاف. وأسف منافسه السابق في الانتخابات الرئاسية جون ماكين لتعليقات الرئيس "الفاترة" واتهمه بالتخلي عن "المبادئ الاساسية" للولايات المتحدة. ونفى البيت الأبيض وجود تباين بين اوباما ونائبه جو بايدن.
لندن
واستدعت وزارة الخارجية البريطانية السفير الايراني في لندن رسول موحديان للقاء مارك ليال غرانت، المدير السياسي في الوزارة، وذلك لإبلاغه احتجاجا على الاتهامات التي ساقها المرشد. والتي اعتبرتها لندن "غير مقبولة وغير مستندة الى وقائع".
وكانت السلطات الإيرانية استدعت السفير البريطاني لدى طهران مرتين الاسبوع الماضي لتقديم شكاوى من تصريحات رسمية او من اسلوب تغطية وسائل الاعلام البريطانية الانتخابات الإيرانية والاحتجاجات في إيران.
منظمات دولية وعبادي
وفي لندن، قدمت منظمة العفو الدولية المدافعة عن حقوق الانسان مراجعة لحصيلة كانت اعلنتها عن القتلى الذين سقطوا في تظاهرات طهران، فقالت إنهم عشرة بعدما كانت أعلنت ان عددهم 15. واستندت إلى "متابعة وسائل الاعلام والمعلومات الواردة من ايران"، مشيرة إلى ان "اربعة طلاب على الاقل لا يزالون في عداد المفقودين بعد الهجوم على مهاجع الطلاب في جامعة طهران". ودعت "السلطات (الايرانية) الى التحقيق في كل الشائعات عن جرائم وتوضيح مصير هؤلاء الطلاب والتأكد من عدم السماح للميليشيات (الإسلامية "الباسيج") بالعمل بحرية لانها غير مدربة على نحو صحيح لضمان حفظ الامن في هذه التظاهرات".
وفي بيان منفصل، اعربت المنظمة عن "انزعاجها الشديد" من كلمة خامنئي الذي "يبدو انه اعطى الضوء الاخضر لقوى الامن للجوء الى العنف ضد المتظاهرين الذين يمارسون حقهم في التظاهر والتعبير عن آرائهم".
وحضت منظمة "هيومان رايتس ووتش" المدافعة عن حقوق الإنسان السلطات الإيرانية على التحقيق فى مقتل المتظاهرين.
وفي جنيف، دعت المحامية الايرانية شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام "المجتمع الدولي الى منع (الحكومة الايرانية) من اطلاق النار على الشعب. الايرانيون نزلوا الى الشارع لرفع مطالب. سيعودون الى منازلهم حين يحققون مطالبهم"، مبدية "تعاطفها مع المتظاهرين". واعتبرت انه في حال تنظيم انتخابات جديدة، سيكون "على الامم المتحدة ان تكون هناك بصفة مراقب" بحيث لا تثير النتيجة اي شكوك. واكدت ان "الغاء الانتخابات السابقة واجراء انتخابات جديدة لن يكونا كافيين لانه اياً يكن الطرف الرابح… فيمكن دائما ان يشكك الطرف المنافس في النتيجة. اذا، ينبغي اجراء الانتخابات الجديدة في حضور مراقبين دوليين".
وهي كانت التقت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الانسان نافي بيلاي والعديد من السفراء لدى الامم المتحدة. وقد دعت وعدداً الى كبح جماح الميليشيات الإسلامية التي "تنتهك القانونين الإيراني والدولي"، محذرة من ان الوضع في البلاد قد يشهد مزيدا من التردي، و"ستكون هذه مأساة كبرى وليست في مصلحة أحد".
وفي بيان منفصل صدر في جنيف، أبدى خمسة محققين للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان "قلقا عميقا من الاستخدام المفرط لقوة الشرطة والاعتقالات التعسفية والقتل". وقال المقرر الخاص لحرية الرأي والتعبير لدى الأمم المتحدة فرانك لارو إن هذه الأعمال "قد تكون محاولة مباشرة لخنق حرية التجمع والتعبير في البلد".
• في باريس، تجمع عشرات الاشخاص بينهم كتاب ونواب دعما للايرانيين، وذلك في ساحة حقوق الانسان في حي التروكاديرو بباريس.
ورد الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه على خطاب المرشد بتجديد دعم "حق الايرانيين في الشفافية وإطلاعهم على الحقيقة" في شأن الانتخابات الرئاسية.
• في امستردام، نظم أعضاء الجالية الإيرانية احتجاجات أمام سفارة بلادهم في مدينة لاهاي.
(و ص ف، رويترز، أ ب، ي ب أ، أ ش أ)




















