اسعد حيدر
احمدي نجاد، ليس هو المشكلة فقط. "النجاديون" هم المشكلة. صحيح ان نجاد ظاهرة في الحياة السياسية في الجمهورية الاسلامية في ايران. لكن الاهم ان تشكلاً غير معلن وغير منظم في تيار او تنظيم يتحرك بقوة فارضاً موقفه على الآخرين.
"النجاديون" لم يعودوا منتشرين في ايران فقط، اصبح وجودهم موزعاً على مروحة واسعة في لبنان وفلسطين والعراق. ليس "للنجاديين" فكر او ايديولوجيا، يتطلبان التفكير والدرس والتعمق، انه نهج في الممارسة والتنفيذ. لهذا من السهل لمختلف الاوساط التي يعجبها هذا النهج العمل به دون اخذ بطاقة "النجادية". مجرد ان يتكلم تتأكد انه غارق حتى اذنيه في هذا "المستنقع".
احمدي نجاد بدأ مبكراً في صياغة هذا المسار. جاء من اعماق ايران الى طهران. ترأس البلدية، وعمل كأنه احد عمال النفايات. لفت الانظار بحركته هذه. ليس امراً عادياً ان يكون المرء عمدة مدينة طهران التي تضم اكثر من 14 مليون نسمة ويتصرف بهذه البساطة. نجاد زاوج المظهر بالخطاب الشعبوي الموجه الى الفقراء، فكسب موقعاً مهماً لديهم. اهم منشور دعاية وزعه انصاره في الانتخابات الرئاسية كان صورة كبيرة تظهره وهو يقبل يد رجل عجوز خلال احدى جولاته في الريف العميق للبلاد.
"دولة الصدقات"
بعد المظهر، الحركة السياسية الداخلية. عمل نجاد على تحويل الدولة من النظام المالي والاقتصادي الطبيعي الى "دولة الصدقات". اينما ذهب واينما توجه، في حقيبته آلاف الشيكات التي تراوح ارقامها بين الف دولار والف وخمسمائة يوزعها على الناس في القرى، "هبة" للزواج او للمساعدة في شراء سيارة، او جرار.
انتخب رئيساً للجمهورية، فحط خطابه الاستفزازي والمباشر في كل المجالات وفي مختلف الاتجاهات. عماد نهجه "اجلس على حافة الهاوية وادع الآخرين للمجيء نحوك للطلب منك او للتفاوض معك. تمسك بموقفك حتى ولو بدا السقوط في الهاوية، هو نهاية المفاوضات. القناعة كاملة بأن الآخرين يخافون من السقوط لانهم لا يتحملون الخسارة. في حين انت لن تخسر اكثر مما ستخسر. الآخرون سيضطرون في النهاية للتراجع، وانت ستأخذ ثمن التراجع. هكذا عمل نجاد في مواجهة الآخرين خصوصا مع الولايات المتحدة الاميركية في ظل ادارة جورج بوش بكل ما يتعلق بالملف النووي. بوش اضطر للتراجع، ونجاد اصر على موقفه ومرر ما يعتقده حقاً له في الملف الايراني.
هذا النهج في التفاوض، يراهن على كل شيء. الحسابات الصغيرة ليست مهمة. خسائر الآخرين غير مهمة اذا كانت ستصب نتائجها الجيدة في "طاحونته". في حالات كثيرة، لا بأس من التحوير حتى الكذب. بعد ان تمر "الكذبة" غير مهم ان يتبين الآخرون انها "كذبة".
سياسة "حافة الهاوية"، وترت العلاقات مع العالم. غير مهم ذلك. ليس اختيار "انكار المحرقة" تحت بند ماذا فعلتم بالفلسطينيين، تجسيداً للجهل. بالعكس يدرك نجاد معنى انكار المحرقة في الغرب. لكن بدل ان يناقشوه في الملفات، فانه يتم صرف كل شيء، فينتقل الجدل الى قضية ثانوية بالنسبة لقضيته الاساسية. "كسر المحرمات" سياسة مثبتة ومفتوحة على كل القضايا، لينشغل الآخرون في التعامل مع هذا "الكسر" في حين يتفرغ للجولة الثانية وهي حقيقية.
رئيس الحرب
انصار "نجاد" في دوائر القرار، وحتى في قلب وزارة الخارجية يرون انه "نفذ انجح سياسة خارجية". الدليل يكمن اساساً في الملف النووي وهو ملف قومي في ايرن. كانت مراكز التخصيب مقفلة، ففتحها ونشطها. كان الشرط الاول للغرب وقف التخصيب النووي، اصبح مثبتاً. الحصول على القوة النووية السلمية اصبح مشروعاً. في هذا الاعلان، كثير من المبالغات. انصار خاتمي يشددون ان اهم الانجازات في الملف النووي جرت في عهده. وانصار علي لاريجاني رئيس مجلس الشوري حالياً يؤكدون ان لاريجاني سلم الملف شبه ناجز، ولم يكن لنجاد اي فضل في النجاح الذي حصل. مع ذلك فان "النجاديين" يصرون على ان لهم الفضل الاكبر.
الآن، يقول المحافظون المتشددون، ان نجاد "رجل حوار". الآخرون يرون انه "رئيس الحرب". المقارنة مهمة. محمد خاتمي الرئيس السابق شهد الجميع في ولايته على انجاز الانسحاب الاسرائيلي من لبنان وغزة. في عهد نجاد وخلال ولاية رئاسية واحدة عاش الجميع حرب لبنان عام 2006 وحرب غزة عام 2009.
القاعدة التي يرتكز عليها في الحوار مع الولايات المتحدة الأميركية هي انها "عاجزة عن القيام بأي عمل ضد إيران". الدليل ان جورج بوش أنهى ولايتين رئاسيتين وخرج من البيت الأبيض ولم يفعل شيئاً رغم تهديداته. إذن ماذا يستطيع باراك اوباما أن يفعل. يقبل "النجاديون" في طهران مقولة ان اوباما خطير لأنه قادر على تشكيل جبهة دولية واسعة معه وهو ما فشل بوش فيه. هذا النجاح سيعود إلى أنه حاول الحوار مع طهران وفشل، لكنهم يصرّون على أنه غير قادر على فعل شيء لأن الشعب الإيراني هو القنبلة النووية الحقيقية في مواجهة الأميركيين وغيرهم. أما الانقسام الشعبي الحاصل بسبب الانتخابات، فإن التهديد والتلويح بالمواجهة سيعيد الوحدة إليه. دائماً اللعب على حافة الهاوية، إجبار الخصم على التراجع، والقواعد الشعبية على التلاحم معه.
ليس هذا كل شيء، يقول "النجاديون". اوباما هددنا وهو يقدم نفسه "محاوراً" لنا. اعتبر ان "رسالته بالتغيير قد وصلت إلى لبنان، بعد لبنان إيران". "يكفي بالنسبة لنا التغيير الذي حصل في 7 حزيران، مع نجاح معسكر 14 آذار لن نسمح له بتكرار ما حصل، لن يحصل أي اقتران لتجربة لبنان في إيران". هذا التصميم جزء أساسي من نتيجة الانتخابات التي اعتبرها "النجاديون" منذ البداية معركة "كسر عظم". كل شيء في عقل "النجاديين" كان مهيئاً للخروج بهذه النتيجة التي أعطت لنجاد 12 مليون صوت زيادة له عن خصمه مير حسين موسوي. منذ اللحظة التي أعلنت فيها النتائج وبسرعة كبيرة أدرك الايرانيون ان الهدف من ذلك هو القول ان أي عملية تزوير لا يمكن أن تكون بهذا الحجم.
مروحة واسعة
حتى الآن الإصلاحيون في إيران وهم تيار يجمع مروحة واسعة تضم المتناقضات، يتحركون تحت خيمة النظام للتغيير. هذه "المروحة" من القوى المتناقضة سبق وأن تشكلت في مطلع الثورة، فقد جمعت "الخمينيين" و"مجاهدي الشعب" و"تودة" و"الليبراليين الإسلاميين". الفرز والتصفية حصلا بعد الانتصار. الخطر يكمن في رفض هذه "المروحة" بالإجماع، "النجادية". لم يتحمل هؤلاء التحوير الذي اعتمده نجاد في القول ان "حزب الله" فاز بسبعة وخمسين مقعداً في الانتخابات التشريعية في لبنان. الجميع يعلم ان المعارضة هي التي فازت وهي مشكلة من أحزاب عديدة حتى ولو كان أقواها "حزب الله".
أيضاً لم يعد يتحمل الإيرانيون ان يتقدم الآخرون ومصالحهم على مصالحهم. حتى ولو كان ذلك تحت خيمة الأمن القومي الايراني. لذلك خرج شعار قوي في المظاهرات "إيران أولاً"، و"إيران للجميع".
القلق سيد الموقف في إيران. التقدم يعني المواجهة. وهذا يريح "النجاديين". نهجهم نجح في وضع جميع القوى على "حافة الهاوية". بعد يوم سيجري الفرز بين قوى إصلاحية تغييرية وقوى انقلابية. القلق أيضاً من خروج "المرشد" عن دوره ومهمته. كان "ولياً" لكل المسلمين في إيران. أصبح الآن "طرفاً" في المواجهة. صلاحياته المطلقة تمنحه القدرة على دعم "النجاديين" بقوة. خطورة الانحياز "للنجاديين"، تكمن إما في تراجع الآخرين وفشلهم. أو المواجهة الشاملة. في الحالتين الرهان كبير. التراجع او المواجهة تعني التأسيس لحركة مستقبلية أكثر خطورة.
المأزق حقيقي لكل القوى. حتى الآن الاعتقالات تحذيرية خصوصاً للقيادات. لكن ماذا لو تطورت الأحداث. هل يقوم النظام النجادي بما قام به الرئيس أنور السادات عندما وضع الجميع في السجون حتى انفجر الغضب وذهب ضحيته؟.
إيراني إصلاحي قال لنا: "نحن بعكسكم أنتم العرب. أنتم تغضبون بسرعة وتهدأون بسرعة، نحن نبلع غضبنا ونراكمه. عندما ينفجر لا يتوقف حتى يصل إلى نتيجة. لذلك نحن قمنا في مئة عام بثلاث ثورات هي: ثورة الدستور وثورة مصدق وثورة الخميني، كل واحدة منها هزت إيران والمنطقة، أنتم قمتم في مئة عام بثورة واحدة وعشرات الانقلابات العسكرية". لذا من الأفضل عدم التسرع في إصدار الأحكام أو البت في التوقعات، كل شيء ممكن.
أصبروا معنا. تروا اليوم أو غداً ماذا سيحصل.




















