سميح صعب
أظهر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو "كرماً" لا حدود له عندما وافق بكلمات مواربة وغامضة وغير محددة على قيام دولة فلسطينية مجردة من السيادة والسلاح وكل وظيفتها الا تشكل بشكل من الاشكال اي تهديد لأمن اسرائيل في يوم من الايام. وهذ الدولة التي قال انه مستعد من اجل السلام ان يقبل بقيامها على ارض "أجداده"، لا يمكن بالشروط التي حددها لقيامها ان تكون دولة بـ"المعنى التقليدي" كما اوضح السفير الاسرائيلي الجديد في واشنطن مايكل اورين.
من هنا ليس مستغربا ان ترتفع شعبية نتنياهو بين اليمين الاسرائيلي من 28 في المئة الى 44 في المئة بعد الخطاب. اذن لقد أخذ نتنياهو ولم يعط في "رؤيته" للدولة الفلسطينية. ففي المقابل هو يريد اعترافا صريحا من الفلسطينيين لم يحصل عليه منذ 61 عاما، اي الاعتراف باسرائيل "دولة يهودية". ومن شأن هذا الاعتراف ان يسهل على الحكومة الاسرائيلية ترحيل نحو 1,5 مليون فلسطيني لا يزالون يعيشون داخل الاراضي التي احتلت عام 1948. ولطالما اعتبرت اسرائيل ان هؤلاء يمكن ان يشكلوا خطرا ديموغرافيا على الدولة العبرية في يوم من الايام لذلك وجب ترحيلهم.
ومن طريق القبول بدولة فلسطينية لا تملك جيشا ولا تتمتع بالسيادة على اجوائها او على حدودها، طالب نتنياهو بشطب موضوع اللاجئين من التداول. ويعتبر ان هذه مشكلة تحل خارج حدود اسرائيل. كما ان القدس هي موضوع غير قابل للتفاوض. ومطلوب من السلطة الفلسطينية ان تقضي على "حماس" قبل ان تقوم دولة فلسطينية منزوعة السلاح بضمانات دولية. اما الاستيطان فهو ايضا غير قابل للتفاوض. ولم يكن نصيب المبادرة العربية بأفضل عندما تجاهلها رئيس الوزراء الاسرائيلي كليا في نصف ساعة بينما يتمسك بها العرب منذ سبعة أعوام.
كثيرة هي الامور التي طلبها نتنياهو من دون ان يقدم اي تنازل فعلي في مقابلها. وهو يعتبر انه قام بما عليه ليس تجاه الفلسطينيين او العرب، بل ايضا تجاه ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي كان يحضه على القبول بمبدأ حل الدولتين، حتى يمكن ان تستدير واشنطن نحو العرب لتطالبهم بما عليهم من التزامات لدفع عملية السلام الى الامام.
وفي الوقت عينه نزع نتنياهو فتيل الازمة مع ادارة اوباما، وتفادي الدخول في مواجهة هو بغنى عنها. كما انه تجنب فرط ائتلافه الحكومي من خلال انتقائه عبارات في خطاب جامعة بار – ايلان مفعمة بالفكر الصهيوني ومستندة الى حجة التوراة في "ارض اسرائيل" ومر في الوقت نفسه على فكرة الدولة الفلسطينية بطريقة لا تخيف الاحزاب الدينية والقومية المتطرفة في حكومته.
لقد تمكن نتنياهو من ارجاء النزاع مع واشنطن، ونال رضا اليمين الاسرائيلي المتشدد، وقلب المشهد ليبدو ان العرب هم المطالبون الآن بتقديم تنازلات في مقابل "التنازلات" الاسرائيلية. فبمجرد القبول بنطق كلمتي "دولة فلسطينية"، ولو من دون مضمون فعلي، سيرتب تقاضي ثمن باهظ التطبيع الكامل مع الدول العربية، ونسيان القدس وحق العودة، او المطالبة بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وربما المطالبة اكثر من ذلك مثل عقد تحالف عربي – اسرائيلي للتصدي لـ"الخطر الايراني".
ومن الخطورة ان يتمكن نتنياهو من دفع القضية الفلسطينية في هذا الاتجاه، وان يحصل من خلال موافقة مبهمة على دولة فلسطينية غير قابلة للحياة، على اعتراف ومكانة تسعى اسرائيل الى فرضها بالقوة منذ 61 عاما. صحيح انها تمكنت عبر استنادها الى حق القوة من فرض امر واقع على الفلسطينيين والعرب، لكنها لم تتمكن من امتلاك قوة الحق




















