المستقبل –
نص القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم والتعويض عليهم، إلاّ أن هذا الحق يتم تجاهله من الجهات الصهيونية وغيرها، وأحدث التصريحات المتعلقة بهذا الإنكار والتجاهل جاءت على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير في جامعة بار إيلان في 14/6/2009.
هذا في وقت تروج العديد من المقولات العنصرية لدى أوساط صهيونية أساسية، كما لدى الدكتور مردخاي كيدار أستاذ التاريخ في جامعة بار إيلان، في محاولة منها لتعطيل تنفيذ قرار الأمم المتحدة المشار إليه، وذلك بالقول إن فلسطينيين كثرا هم أساسا ليسوا من فلسطين، وأن الإنكليز أثناء احتلالهم فلسطين سمحوا لعرب وغير عرب بالعمل في فلسطين، وخصوصا في ميناء حيفا، وفي بعض المستعمرات التي كانت قائمة في تلك الفترة، وغيرها، وأن كثيرين يحملون أسماء عائلات: الشامي، الحلبي، البيروتي، الصيداوي، الطرابلسي، الزرقاوي، الإسكندراني، الطنطاوي، الحوراني، التونسي، الجزائري، المغربي، السوداني، الإيراني والأفغاني وغيرها، وأن أولئك ليسوا من عائلات فلسطينية "أصيلة"، وقد جاءوا إلى فلسطين وسكنوا فيها في أزمان متفرقة للعمل أو لأسباب أخرى. لذا وحسب وجهة النظر الصهيونية هذه، فإنهم ليسوا فلسطينيين، حتى لو ولدوا في فلسطين، أو حتى لو ولد أجدادهم فيها، وعاشوا وعملوا وأنجبوا وتملكوا فيها منذ مئات وحتى آلاف السنين!.
وجهة النظر هذه يشوبها الكثير من التهافت، وشكلانية، ولا تتصف بأي صفة علمية، ولا يهمها التمعن بالظروف والمعطيات والوقائع التاريخية، ومن بينها: أن تنقل الأفراد والعائلات من هذه القرية أو البلدة أو المدينة إلى غيرها في الدولة الواحدة ـ أو عبر الدولة الواحدة ـ لأسباب وموجبات عدة، ما هو إلاّ من موجبات الحراك الإنساني، وهو من طبائع الأمور والبشر في سعيهم إلى تحسين ظروف حياتهم وعيشهم.
هكذا كان الأمر زمن الإمبراطوريات والدول، منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا، وآخرها الدولة العثمانية التي إن كان الأفراد يتنقلون فيها، فهم يتنقلون في دولتهم الواحدة. وهذا الأمر من طبائع الأمور والناس والدول.
لو أردنا مناقشة الدكتور كيدار وغيره جديا، فإن نظريته مردود عليها، من خلال سؤال بسيط: ماذا يسمي انتقال ما أطلق عليه الموجة اليهودية من مصر إلى فلسطين زمن النبي موسى، وغير ذلك من هجرات إن كانت حقيقية أم موهومة ومزعومة؟!
إن حمل هذا الفرد أو تلك العائلة اسم المكان الذي جاء منه، من طبائع أمور البشر بالتعريف والتعارف، كما أنه من بديهيات الحياة والسياسات منح جنسيات الدول لمن عاش سنين طويلة على أراضيها. فلماذا تريد العنصرية الصهيونية، كما تتجسد اليوم، في تلك الأشكال الانتقائية والمعبأة بالغرض والمرض، حرمان الناس انتماءهم الذي اختاروه وركنوا إليه وحملوا وتحملوا تبعاته؟ وألا تمنح الدول الحديثة جنسياتها إلى أفراد لجأوا إليها بعد سنين محددة؟ وألم يحكم أو يدير إدارات مهمة أفراد من أصول ليست "أصلانية" حسب هذه النظرية العنصرية؟ ولو انسقنا للحظة مع هذا الوباء العنصري، فإن سؤالا مهما يبرز هنا: لماذا تمنح إسرائيل جنسيتها ومواطنتها وما يترتب عليها من حقوق لأي يهودي، يأتي من جهات الأرض الأربع، بمجرد أن تطأ قدماه أرض الموانئ والمطارات، في حين يحرم منها الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين، أو الفلسطيني الذي أجبرته آلة القمع والعدوان الإسرائيلية على مغادرة بيته وأملاكه وأراضيه، ويحرم العودة إليها، رغم أن قرارات الشرعية الدولية تجيز له ذلك؟
وما علاقة الأشخاص أو الأقوام الذين تهودوا في القرون الوسطى – قبلها أو بعدها ـ في منطقة الجزر القوقازية على سبيل المثال، ما علاقة هؤلاء بفلسطين بعد أن انتقلوا للعيش في المجر أو بلغاريا أو ألمانيا أو روسيا وغيرها بعد ذلك، ليجري قبولهم مواطنين في فلسطين المحتلة بمجرد وصولهم إليها؟ وحتى اليهود السفارد أو الأشكناز، فإن علاقة بعضهم بفلسطين لم تكن حتى الآن، إلا علاقة زيارة أماكن مقدسة فيها لا غير.
وباختصار، فإن لب الحكاية يتمثل في تنافسات وتناقضات قامت بين بعض الشعوب الأوروبية وحكوماتها مع متنفذين يهود، لتحصل مجازر واضطهادات بحق مواطني تلك الدول من اليهود، لذا ومن خلال التحالف الصهيوني مع بعض القوى والحكومات الأوروبية، فقد تم تصدير الفائض البشري اليهودي إلى فلسطين، واختراع دولة وتزويدها بالأساطير المناسبة، وبأحدث أنواع الأسلحة والعلوم على حساب الشعب العربي الفلسطيني والمنطقة العربية كلها. وها نحن ما لبثنا ندفع ثمن ذلك المشروع حتى يومنا هذا.




















