قبل سقوط العهد البهلوي في ايران، حرص الشاه على الاتصال بأصدقائه القدامى على أمل إرشاده الى أنجع السبل للخروج من حصار الثورة الاسلامية بقيادة الإمام الخميني.
وبما ان محادثات الشاه في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز كانت تتم بواسطة كمال أدهم، فقد توثقت بينهما علاقات الصداقة، الأمر الذي شجعه على دعوته الى طهران بهدف الاستشارة وأخذ النصح.
سأل أدهم في بداية الحديث، عن موقف الجيش من القصر، وما اذا كان يدين بالولاء الكامل له أم ان التظاهرات الضخمة أربكته؟ وتردد الشاه في الاجابة قبل أن يضع علامة استفهام كبرى على تصرف جنرالات القيادة الذين خضعوا لمشيئة جنرال أميركي أرسله "البنتاغون" للإشراف على وضع الجيش.
وعاد أدهم يستوضح الشاه عن أسباب فرض العزلة على نفسه، وتمنى عليه القيام بزيارات مفاجئة لوزارة الدفاع وقادة الوحدات، لأن حضوره يقوي معنويات الضباط. رفض الشاه هذا الخيار متسلحاً بنصيحة رجال الاستخبارات الذين أشاروا عليه بالبقاء داخل القصر خوفاً من الاغتيال أو الخطف. عندها اشار عليه كمال أدهم بأن يأمر القيادة بحشد تظاهرات مؤيدة للنظام يقوم بها أفراد من الجيش بثياب مدنية. وهذا يعني عدم اخلاء الساحات العامة للمعارضة فقط. كما يعني اعطاء المترددين والمحايدين فرصة الانضمام الى صفوف أنصار الحكم، خصوصاً ان الثكنات العسكرية كانت تضم نحو مليون جندي.
تلقى الشاه هذه النصيحة بكثير من التشكيك لاعتقاده بأن القيادة مخترقة بعدد من الضباط المجندين لثورة الخميني.عندئذ روى أدهم للشاه حكاية انقلاب علي أبو نوار في الاردن، وكيف تصرف الملك حسين عندما بلغه النبأ. فقد ركب سيارته الرياضية السريعة، وداهم أبا نوار مع بعض الضباط في خيمة نصبت داخل الصحراء. ولما أبصر الضباط ملكهم وقفوا وأدوا له التحية. وعلى الفور أمر الحسين أبا نوار بالركوب الى جانبه في السيارة، وانتقل به الى السجن.
ولما رأى كمال أدهم دموع الشاه تتدحرج فوق خديه، انصرف على الفور لأن جواب الممانعة والخوف جاء من العينين الحمراوين وليس من الفم الصامت.
بعد انقضاء ثلاثين سنة (1979) على الثورة الاسلامية، يعاني الرئيس محمود أحمدي نجاد من تداعيات أزمة خطيرة أثارتها تظاهرات الاعتراض على نتائج انتخابات الرئاسة الايرانية. وعلى الفور طلب من الحرس الثوري (الباسدران) وقوات التعبئة (الباسيج) اطلاق تظاهرات اعتراض لإبراز عمق الانقسامات القائمة بين المحافظين والاصلاحيين. او على الاقل لتذكير المتظاهرين بأن، الاعتراض على التزوير والمخالفات لا يكون بالاحتكام الى الشارع الذي يعتبره النظام ساحته الخاصة. ويقال في هذا السياق، ان مرشد الجمهورية علي خامنئي أراد التلويح ايضاً بسحق شامل لقوى المعارضة مثلما حدث في "ربيع براغ"، على اعتبار ان الثورة لا تحتمل التراجع او الصمت الطويل. وهذا ما يفسر دعوة مير حسين موسوي أنصاره الى مواصلة الاعتراض بشكل سلمي، واعتماد سياسة الصمت في التظاهرات الحاشدة.
في ضوء ما يسمى بـ"الثورة الخضراء"، وما أفرزته انتخابات الرئاسة الايرانية من مشاكل غير متوقعة، تركز العواصم الكبرى اهتماماتها على الزعيم الروحي علي خامنئي وعلى دوره في مسك خيوط الحكم!
خلال السنوات الثماني الماضية عانت ايران من عزلة دولية فرضها عليها تصنيف الرئيس جورج بوش الذي وضعها في قائمة دول "محور الشر". ولكن هذا التصنيف سقط مع دخول باراك أوباما الى البيت الابيض، وإعلانه في مجلة "نيوزويك" أنه راغب في تقديم فرصة جديدة لإيران تصب في مصلحة شعبها. وأعرب عن اعتقاده بإمكان قيام جمهورية ايرانية تحافظ على طابعها الاسلامي كعضو جيد في المجتمع الدولي، من دون أن تشكل تهديداً لجيرانها، وقال ايضاً إنه عازم على مد يده الى طهران في محاولة لتغيير النمط الذي اعتمد لثلاثين سنة ولم يحدث تغييراً في المنطقة. وكي يطمئن اسرائيل ويقلل من مخاوفها الامنية، أكد أوباما ان هذه المقاربة كفيلة بضمان أمن الولايات المتحدة واسرائيل. وكان من الطبيعي أن يرحب علي خامنئي بمبادرة أوباما، خصوصاً ان الادارة الاميركية الجديدة سجلت أول مصالحة مع النظام القائم.
عقب الاعلان عن موعد الانتخابات قدم 475 شخصا ترشحهم للاشتراك في المنافسة. وهناك صحف ذكرت ان الرقم تجاوز الـ700. ولكن مجلس المراقبين الدستوري – وهو الجهة المسؤولة عن عملية الغربلة – اختار اربعة فقط، مع حرمان النساء من هذا الحق. والطريف ان هذا المجلس يستطيع الغاء ترشيح اي شخص من دون اعطاء الاسباب الموجبة.
خلال الترشح لولاية ثانية اطل الرئيس محمود احمدي نجاد على الناخبين من خلال تأييد المؤسسات الرسمية غير المنتخبة مثل المرشد الاعلى والحرس الثوري ومجلس المراقبين ومجلس الخبراء. وبفضل خطبه النارية وانتقاده المتواصل للهولوكست، تحول نجاد من سياسي محلي الى شخصية معروفة في العالم. وهو يستند في شعبيته على المناطق الريفية وعلى دعم "الحرس الثوري" الذي اتى من صفوفه، وعلى المنظمات الدينية ايضا. وقد اكسبته فترة الرئاسة قوة اضافية حصل عليها بسبب قربه من علي خامنئي ومن اجهزة الاعلام الرسمية وصناديق اموال الدولة.
المنافس الاول للرئيس نجاد كان مير حسين موسوي الذي عرف في الثمانينات – اثناء فترة الحرب مع العراق – كرئيس للحكومة. ومع انه كان قريبا من الخميني الا ان علي خامنئي حجبه عن الساحة السياسية مدة عشرين سنة. وهو بالطبع نال تأييد الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي الذي دشن رئاسته سنة 1997 بتأسيس نمط الاعتدال داخل النظام. ثم كرس هذا الخط خلال ولايته الثانية سنة 2001 عن طريق استبدال شعار "صدام الحضارات" بشعار "حوار الحضارات" من فوق منبر الأمم المتحدة.
في سبيل كسب ثقة النظام، تحدث مير حسين موسوي في احدى جولاته الانتخابية، عن دوره "كجانوس" الايراني. "جانوس" هو اله البدايات والابواب عند الرومان وكان يملك وجهين، الاول يتطلع الى الامام والثاني يتطلع الى الوراء. وكان بهذا المثل يحاول اقناع المؤسسات السياسية والدينية بأن انتخابه سيضمن المحافظة على الخطين اللذين تتألف منهما الثورة. ولكن هذه المهدئات لم تخفف من تهجمات اهل النظام، خصوصا انه ركز في حملاته على الوضع الاقتصادي السيىء الذي شهده عهد احمدي نجاد. وقال انه اخفق في تحسين الاقتصاد الذي يعبر عنه تضخم بلغ 28 في المئة، مع ارتفاع اسعار الغذاء والسكن ووصول نسبة البطالة الى عشرين في المئة.
يؤكد المراسلون الذين غطوا انتخابات الرئاسة في ايران، ان مرشد الجمهورية علي خامنئي حاول ملاقاة دعوة الانفتاح التي قدمها الرئيس اوباما، في منتصف الطريق. لذلك فتح المطار لمئات الصحافيين والمصورين كي يظهر للرأي العام الخارجي ان ايديولوجية النظام تتسع للديموقراطية التي شهدتها الانتخابات النيابية اللبنانية. وبعد صدور النتائج الرسمية واعلان الشكاوى من التدخل والتجاوز، انقلبت صورة النظام واصبح من الضروري حظر وسائل الاعلام وضبط تظاهرات الشارع. ويتردد في طهران ان موسوي قد اجبر على ازالة اليافطات الاستفزازية والاكتفاء بمسيرات سلمية محددة في زمانها ومكانها. علماً بأنه تم اكتشاف عناصر مدسوسة من اجل تحريض قوات الأمن على استخدام العنف واسقاط ضحايا. عندها يمكن للمعارضة أن تستغل حمامات الدم لإذكاء روح المقاومة والنقمة. والغرض من كل هذا ارباك النظام القائم ووضعه في موضع الدفاع عن النفس، وارهاقه بمسيرات يومية تمنعه من الحصول على الاستقرار السياسي. ومثل هذا الوضع المقدر له ان يمتد الى قم وشيراز واصفهان وبوشهر وسواها من المدن، قد يشغل الدولة المركزية عن التدخل في العراق وافغانستان وباكستان واليمن ومصر ولبنان وفلسطين. ويعتبر المراقبون في العواصم الاوروبية أن استمرار القلاقل والاضطرابات الداخلية سيؤدي الى زيادة النقمة والمعارضة والمشاكل الاجتماعية.
تقول الصحف الايرانية ان الرئيس نجاد سيكون رئيسا مختلفا في ولايته الثانية. ذلك ان الانتخابات كشفت للمسؤولين عن سلامة النظام وان مرشحهم المفضل لم يعد هو الاوفر حظا ولا الأكثر شعبية. ففي ولايته الاولى ابعد عنه كبار الشخصيات التي كانت قريبة منه مثل علي لاريجاني امين سر مجلس الأمن القومي وعمدة طهران محمد باقر قاليباف ووزير الداخلية ومعاونه. كذلك استغل وسائل الاعلام الرسمية لاغضاب اعمدة النظام مثل الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني الذي اتهم نجاد اولاده بالفساد واستغلال منصب والدهم.
اسرائيل رحبت باعادة انتخاب احمدي نجاد لأنه سيحرج الرئيس اوباما ويمنعه من تنفيذ نهجه. ويرى نتنياهو ان شخصا معتدلا مثل موسوي سيثبت ركائز النظام مثلما فعل محمد خاتمي، الامر الذي يحرم اسرائيل من فرص تعبئة المجتمع الدولي ضد ايران. ومعنى هذا ان اسرائيل ستظل تعتبر ايران خطرا وجوديا في ظل الولاية الثانية لأحمدي نجاد. كما تعتبر ان سنة 2010 هي سنة الحسم بالنسبة الى تحديد الاحتياجات الامنية لمستقبل وجودها.
منذ انتخاب الرئيس اوباما وهو يرحب بتعاون ايران من اجل ارساء دعائم الاستقرار في العراق وافغانستان ولبنان. كما يطمح الى ابرام سلام فلسطيني – اسرائيلي يمكن ان يحول دون حيازة ايران سلاحا نوويا، عن طريق اشراكها في اتفاق اقليمي يضم كل الدول العربية. وقد قوبل هذا التصور بانتقاد نائب الرئيس الاميركي السابق ديك تشيني الذي وصف اوباما بأنه "بائع احلام".
في كلام علي خامنئي ما يوحي بأن التغيير الذي يطالب به المتظاهرون لا يمكن ان يتحقق لذلك لا يختلف موسوي عن نجاد في اطالة عمر النظام ما دامت خطب الاول منصبة على انتقاد اصلاحات الثاني. واكثر من يعرف هذه الحقيقة هو الرئيس الاصلاحي الاول محمد خاتمي. ففي عهده وصفت الصحف بأنها حرة قبل ان يكتشف المواطنون اغتيال اكثر من مئة صحافي واديب سقطوا ضحية هذه الخدعة القاتلةّ!
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
النهار




















