عودة التفجيرات الدموية إلى العراق، في هذا الوقت وبهذه الشراسة والاستهدافات؛ تنذر بالأدهى، في ضوء هشاشة الساحة السياسية. الخطوات التي كان من المصلحة والضروري اتخاذها، من زمان، لتعزيز المناعة الداخلية؛ غرقت في التأجيل والتعليق.
في غيابها بقي الوضع أكثر عرضة للانكشاف والتدهور. ارتفاع منسوب العنف، كماً ونوعاً، الآن؛ مرتبط بقرب إعادة تموضع قوات التحالف، بعد انسحابها من المدن والمناطق السكنية العراقية؛ في آخر الجاري. هجمة تحمل بصمات الفتنة بوضوح. أهداف التفخيخ، تنطق بذلك.
مثل هذه العمليات ليس جديدة. كانت تحصل في السابق. والكثير منها كان يتعمّد ضرب أهداف شديدة الحساسية، بحيث تكفل ردود فعل مماثلة؛ تغذي نار الفتنة. وفعلاً هي نجحت، إلى حدّ بعيد، في استدراج هكذا ردود.
التفجير الذي وقع أمس الأول قرب كركوك، يندرج في هذه الخانة. لكنه أشد خطراً. ليس فقط لأن مقصده فتنوي، بل أيضاً لأنه يأتي عشية تسلّم القوى الأمنية العراقية لمهام الأمن الداخلي، لوحدها. وهو لم يكن معزولاً. رافقته عمليات متفرقة، من اغتيالات وزرع عبوات وهجمات على مراكز وعناصر الشرطة العراقية؛ فضلاً عن العودة إلى ظاهرة العثور على جثث قتلى في بغداد.
شريط يعود بالذاكرة إلى أيام سوداء، عرفها العراق. وإذا كان في ذلك ما يشي بوضع أمني سريع العطب؛ فإنه أيضاً يؤشر إلى الفجوات التي سمحت بالتسلل منها؛ لتهديد ليس الحالة الأمنية فحسب، بل أيضاً سلاسة الانتقال التدريجي باتجاه استرجاع البلد لسيادته. فالوضع مازال يدور في دوّامة أزمة سياسية.
إصلاحات دستورية وغيرها، متفق مبدئياً منذ سنتين، على وضعها موضع التنفيذ، لم تبصر النور بعد. على العكس، أدّى وضعها على الرف، إلى تفاقم الخلافات السياسية واتساع الهوّة بين القوى السياسية الفاعلة. كما أدّى إلى استشراء الفساد، الذي بات حديثه على كل شفة ولسان؛ مما أشعل حرب الاتهامات المتبادلة.
المصالحة الوطنية، التي تعثرت مسيرتها، تراجعت سيرتها وغابت عن الأولويات. والخشية الآن أن البلد يتقدم نحو أول استحقاق وطني، على طريق الخلاص من الاحتلال، وسط معادلة يجتمع فيها هذا الغياب مع وضع مأزوم سياسياً ورخو أمنياً.
كله في لحظة، باتت فيها فسحة الوقت ضيقة وضاغطة. الأمر الذي يحتّم استنفار وحشد كل الجهود والموارد، لقطع الطريق على بوادر فتنة تطل برأسها؛ من خلال مثل هذه التفجيرات التي تلامس النخاع الشوكي. فالساحة، يتفاعل فوقها مزيج من العوامل الملتهبة، التي تهدّد اشتعالها بأفدح العواقب.




















