*كاتبة لبنانية
المستقبل –
في رحلته الإستكشافية الثانية لافريقيا الشمالية، يقدم شمس الدين الكيلاني في أطروحتة مادة وصفية إثنوغرافية للشعوب السوداء، الواقعة على مرمى الأقاليم المحيطة بدار الإسلام، اعتمد فيها على أهم ما دونه الرحالة والجغرافيون والتجار العرب من أمثال ابن بطوطة وابن خلدون وياقوت الحموي وشمس الدين المقدسي وغيرهم، الذين تأثروا في مقاربتهم الانتروبولوجية للتقسيمات البشرية والجغرافية بالمنهج اليوناني – الروماني، غير أنهم أضافوا اليه بعداً آخر تمثل بالنزعة المساواتية الإسلامية خاصة بعد احتكاكهم المتنامي مع بلاد السودان والمقصود بها الشعوب الافريقية ذات اللون الأسود، وقد شملوا بمفهومهم هذا: الزنوج والسودانيين والأحباش والنوبيين، وحددوا مواقع استيطانها في إفريقيا جنوب الصحراء الممتدة من الحبشة شرقاً الى الأطلسي غرباً.
يبدأ الكاتب جولته التاريخية بإطلالة على مسالك الاتصال والانفصال العربيين مع إفريقيا السوداء، وجاء تقسيم الأطروحة الى خمسة أقسام يرتحل القارئ فيها ومعها بأسلوب يقترب من المشاهدة الحيّة، لأرضية حبلى بالصور الوصفية يمتزج فيها الخيالي والواقعي، الأسطوري والعلمي؛ وإفريقيا التي فسر تسميتها العلماء العرب بـ صاحبة السماء القابعة على جناحي طائر عبد الله بن عمرو بن العاص، والموزعة عليه الأمم بدءاً من رأسه في الصين مروراً بصدره في اليمن والعراق والشام ومصر وصولاً الى ذيله المحتل من بقية الشعوب، لم ينظر اليها علماؤنا نظرة إستعلائية رغم إدراجها في مرتبة بعيدة قليلاً عن موقع الصدارة، بل على العكس قدموا مادة تقترب كثيراً من الموضوعية وتبتعد عن الصورة النمطية اليونانية – الرومانية.
الى ذلك أضافت المدونات العربية الإسلامية في العصر الوسيط رؤية إحتوائية إذ لم نقل تعارفية للشعوب السوداء الموزعة بين شرق بلاد السودان وغربها، وهنا تحتل الحبشة والدور الذي لعبه ملكها النجاشي موقعاً مهماً في ذاكرة المسلمين الجماعية، بعد أن قام بحمايتهم من اضطهاد أهل قريش عند بدايات الدعوة النبوية، وفي هذا السياق يستشهد الكاتب بما رواه عبد الرحمن السيوطي عن تبجيل ذكرى النجاشي الحبشي قائلاً: " يروي الرواة أن النجاشي زوَّج أم حبيبة، التي توفي زوجها في أرض الحبشة الى النبي، ومهرها من عنده أربعة آلاف، وبعثها الى النبي مع شرحبيل بن حسنة. ويذكر بعض المفسرين أنه نزلت في النجاشي الآية الكريمة {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}. ويروي عن أنس أنه لما جاء نبأ نعي النجاشي أي موته، قال النبي: " صلوا عليه، قالوا: أيا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله الآية {إن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل اليهم خاشعين} وفي رواية أخرى أن النبي قال عند سماعه وفاة النجاشي: " استغفروا لأخيكم".
وعليه فإن الأدبيات العربية لم تصادر ثقافات الشعوب السوداء وحقها في الاختلاف عن المجال الإسلامي منذ دخولها نطاق التأليف الجغرافي والرحلي في القرن الثالث هجري – التاسع ميلادي، بل أقامت حوارية علمية وتجارية معها على قاعدة التبادل الثقافي والمادي؛ وبعد إنتشار ثالث الديانات الابراهيمية في بلاد السودان بفعل الفتوحات، استهجن علماؤنا بعض العادات المنتشرة في ديارهم الجديدة، ومن بينها شيوع الزنا بين النساء، وسبب ذلك عائد الى سطحية انتشار الإسلام وتعاليمه حتى القرن الحادي عشر ميلادي، ولكنهم في المقابل لم ينبذوها ككتلة بشرية في طور الإرتقاء الحضاري، فاحترموا ودرسوا أعرافها وتقاليدها الاجتماعية.
إذن لم يُقم الجغرافيون والرحالة العرب حدوداً فاصلة بينهم وبين القارة السمراء، فالعالم الجغرافي الذي يفصلهم عن السود كما يشير الكاتب "يبدو مفتوحاً على عالم مألوف لديهم، يجدون فيه نقاطاً وبقاعاً، يتجاور فيها المهاجرون العرب مع السود، وعندما أطلقوا صفة وحشية على بعض الجماعات السوداء، فقد عنى هذا المفهوم لديهم ما يقابل مفهوم العمران. فالتوحش نفسه وجده جغرافيونا ومؤرخونا في ديار الإسلام ذاتها لدى الجماعات البدوية، ولم يروجوا لمركزية عرقية".
إن رؤية الشعوب السوداء في التراث العربي الإسلامي إنْمازَت عن غيرها من الرؤى الحضارية الأخرى، ولم تقدم قوالب أو أنماطا إقصائية وتنابذية للأقوام والأعراق التي تشاركت معها في الجامع الديني أو الانساني أو التجاري، أما حالات الصدام اللاحقة التي تطرق اليها الكيلاني في كتابه، فقد أتت من عدة عوامل لعل أهمها: دخول التجارة الاوروبية في منافسة محمومة مع التجار العرب، والأثر السلبي لحملات الفرنجة العسكرية في الحقبة المدروسة.
قصارى القول، قدم الكاتب مادة علمية استقاها من أمهات المصادر العربية التي تتسم بلغتها الصعبة، ولكنه استطاع توظيفها بأسلوب منهجي انسيابي يجبر القارئ على متابعة الكتاب من أولى صفحاته حتى آخرها، ولو قارن بين ما خلصت اليه المدونات العربية ونظيرتها اليونانية – الرومانية في العصر الوسيط، لأصبح النص أكثر جاذبية مما يسمح لنا بتحديد أدق للفوارق بين الاتجاهين.
[ الكتاب: الآخر في الثقافة العربية
صورة الشعوب السوداء عند العرب في العصر الوسيط
[ الكاتب: شمس الدين الكيلاني
[ الناشر: وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، 2009




















