المستقبل –
من سنن الاجتماع الإنساني دوما أن تتبدل الوسائل ـ كل الوسائل ـ مع اطراد التقدم التقني والصناعي، ومنذ اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي حتى القرن العشرين عاشت البشرية بامتياز "عصر الكلمة". لكن القرن العشرين شهد تحولات متلاحقة غيرت، خلال عقود قليلة، شكل صناعة الكلمة. ثم أضاف انتشار السينما ثم في مرحلة تالية القدرة على نقل الصورة بالبث اللاسلكي منافسا خطيرا للكلمة. ومع التحول الكبير الثاني أصبح بالإمكان إنتاج الكلمة والصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وأصبح بإمكان الأفراد والمؤسسات على السواء نقلهم جميعا عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).
وحتى الآن لم تحسم العلاقة الصراعية في الغرب بين الورقي والافتراضي بعد التمدد العالمي للانترنت، لكن الاتجاه هو بوضوح لسيادة ما هو افتراضي على ما هو ورقي في صناعتي النشر والصحافة، صحيح أن مراسيم التسليم والتسلم بين الوسائط لا تتم بين عشية وضحاها، لكن أزمة الصحافة الورقية في الولايات المتحدة تشير بوضوح إلى أن الصناعتين تتجهان بقوة إلى التحول إلى "الرقمي" بدلا من "الورقي".
وفيما يحدث هذا في الغرب يشهد الإعلام العربي على تحول من نوع مختلف هو التحول من الكلمة إلى الصورة، فالانتشار الكبير للفضائيات العربية أدى إلى نزوح كبير من الكلمة إلى الصورة، ويشهد الإعلام العربي ثورة بكل معنى الكلمة في تأثير السينما التسجيلية والوثائقية في النخبة المثقفة العربية. وخلال فترة قصيرة من متابعة لهذا التحول لاحظت توسعا كبيرا في إنتاج الأفلام الوثائقية والتسجيلية، لكنني لاحظت أيضا ترجمة الأعمال الوثائقية الغربية أكبر حجما بكثير من ترجمة الكتب الغربية، ونتج عن ذلك أن مسافة كبيرة صارت تفصل بين ما نعرفه عن قضايا بعينها من خلال وسيطي: الكلمة والصورة، ويكفي هنا أن أشير الى مثال واحد صارخ لفت نظري هو الفرق بين صورة العلاقات بين روسيا الشيوعية وألمانيا النازية من خلال الوسيطين.
فقد كشفت مجموعة من الأفلام الوثائقية عن علاقات وثيقة بين النظامين لها دلالات معرفية وسياسية شديدة الأهمية، فالنظامان لم يكن بينهما "هدنة" خلال الفترة الأولى من الحرب العالمية الثانية بل كان بينهما تحالف قوي امتد لسنوات وساهم في تمكين ألمانيا من الإفلات من القيود التي فرضت عليها عقب معاهدة الاستسلام التي اضطرت ألمانيا لتوقيعها عقب الحرب العالمية الأولى، حيث فتحت السلطات السوفيتية أراضيها لتدريب قوات نازية بالمخالفة لمقررات الاتفاق. هذا قبل أن تتحول العلاقة إلى صدام مروع.
كما أن الكثير من أجندات الإصلاح الاجتماعي والسياسي وجدت مكانها على الشاشة البيضاء وضاق عن احتضانها فضاء صناعتي النشر والإعلام، هذا طبعا فضلا عن التفاوت الكبير بين الأثر الكبير لفيلم وثائقي عن الختان كما حدث في مصر قبل سنوات أو الفيلم الإيراني عن اغتيال السادات، أو …. وفي المقابل الأثر المحدود لمنتجات صناعتي النشر والصحافة المكتوبة في العالم العربي.
والفرق يبدو ضئيلا بين مساري التحول عندنا وفي الغرب لكنه في الحقيقة فرق كبير جدا، فالتحول هناك هو في الوسيط، اما المحتوى فهو واحد "الكلمة"، أما عندنا فإن التحول هو في شكل التعبير "الصورة"، وهناك توسع كبير شهده العالم العربي خلال السنوات القليلة الماضية لإنتاج السينما الوثائقية والتسجيلية مقابل تضاؤل مشهود لصناعة "الكلمة". وهناك ما زال إنتاج المنتج المكتوب وفيرا وواسع الانتشار بغض النظر عن الوسيط، وهو يسير بالتوازي مع صناعة "الكلمة"، أما عندنا فإن صناعة الكلمة بدأت ضعيفة واهنة والآن تزداد وهنا تحت ضغط تغول الصورة.
والقضية ليست من قبيل الترف، فالكلمة كوسيلة تعبير تساهم في صنع مزاج سياسي وثقافي مختلف إلى حد ملموس عن المزاج الذي تصنعه الصورة، أولاهما تترك فرصة للعقل ليعمل ويتحرك بين الحقائق ودلالاتها، أما الثانية فتكرس "التسطيح" مهما كانت درجة الاحتراف التي تمت صناعتها بها. فالصورة هي صناعة التلقي الذي يكون سلبيا غالبا، ومن ثم فإن منتجاتها تؤدي للكسل العقلي والرؤية الأحادية والتبسيط المخل.
وثقافة الصورة كمقابل أو منافس لثقافة الكلمة مما انتبه له مبكرا صناع الرأي العام الغربي فكان هناك توازن بينهما، أما العالم العربي فيشهد اندفاعا غير متزن نحو الصورة، حتى إن الوفرة تحولت إلى تخمة يحكمها قانون الفوضى، وفي الأفق المنظور ستجد صناعتا الكتاب والصحافة الورقية في العالم العربي مأزقا مزدوجا سيطال اقتصاداتها ومحتواها، وهو مأزِق ستكون له تداعيات سياسية وثقافية كبيرة.




















